دبلوماسية الطقوس؛
تشييع القائد الشهيد وإعادة تعريف التقارب الإسلامي
في أدبيات العلاقات الدولية، لا تُعد مراسم تشييع القادة الكبار مجرد طقوسٍ جنائزية، بل تمثل حدثاً قادراً على الكشف عن البنية الحقيقية للعلاقات السياسية، ومستوى النفوذ الرمزي للشخصيات القيادية، وشبكات التفاعل الإقليمي والدولي. ومن هذا المنطلق، فإن مراسم وداع وتشييع القائد الشهيد لم تكن مجرد نهاية لمسيرة قائد ديني وسياسي، بل تحولت إلى مشهدٍ جسّد شكلاً من أشكال التقارب الإقليمي والإسلامي، يتجاوز في دلالاته الأطر التقليدية للدبلوماسية الرسمية.
إن طبيعة الوفود المشاركة في هذه المراسم قدّمت صورةً تتجاوز العلاقات التقليدية بين الدول، وعكست الجغرافيا الحقيقية لارتباطات الجمهورية الإسلامية الإيرانية في محيطها الإقليمي وفي العالم الإسلامي. فقد أظهرت مشاركة مسؤولين رفيعي المستوى من روسيا، والصين، وباكستان، والعراق، وتركيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، وسلطنة عُمان، وطاجيكستان، وتركمانستان، ومنطقة القوقاز، وآسيا الوسطى، إضافةً إلى الأمين العام لمنظمة شنغهاي للتعاون، أن الثقل الرئيس لهذه المناسبة لم يكن متمثلاً في القوى الغربية، بل في دول الجوار، والعالم الإسلامي، وأوراسيا، ودول الجنوب العالمي. ويعكس هذا النمط التحولات التي شهدها النظام الإقليمي خلال السنوات الأخيرة، حيث أخذت مكانة الفاعلين غير الغربيين تتعزز بصورة متزايدة.
غير أن أهمية هذه المناسبة لا تكمن فقط في التنوع الجغرافي للمشاركين، وإنما أيضاً في اجتماع أطرافٍ تختلف مواقفها ومصالحها في العديد من الملفات الإقليمية. فقد شكّل حضور وفود من المملكة العربية السعودية، والعراق، وتركيا، وباكستان، ومصر، وسلطنة عُمان، وقطر، وإقليم كردستان العراق، وأفغانستان، في مناسبة واحدة، دلالةً على أن المناسبات العامة قادرة، حتى في ظل التعقيدات السياسية، على إيجاد «فضاءٍ مشترك» يجمع مختلف الفاعلين في العالم الإسلامي؛ فضاءٍ لا يقوم بالضرورة على التوافقات السياسية، وإنما يستند إلى احترام الرصيد الديني والتاريخي والحضاري المشترك.
ومن منظور فكر التقريب بين المذاهب الإسلامية، تكتسب هذه الحقيقة أهميةً خاصة. فالتقريب ليس ثمرة الحوارات النخبوية أو الاجتماعات الرسمية فحسب، بل يتجلى بصورة عملية في اللحظات التي يتغلب فيها الشعور بالانتماء إلى الأمة الإسلامية على الخلافات السياسية. ويمكن النظر إلى تشييع القائد الشهيد بوصفه نموذجاً لهذه الحالة؛ إذ اجتمع ممثلو الدول، والشعوب، والتيارات الإسلامية المختلفة، على الرغم من تنوع انتماءاتهم المذهبية والسياسية، في مراسم واحدة، مؤكدين وجود روابط تتجاوز حدود التنافس السياسي اليومي.
ومن جهة أخرى، قدمت هذه المناسبة صورة واضحة عن التحول التدريجي في مركز ثقل العلاقات الخارجية الإيرانية. فبعد أن كان تقييم الحضور الدولي لإيران يُقاس في كثير من الأحيان بمستوى مشاركة القوى الغربية في المناسبات الكبرى، كشفت هذه المراسم أن تقييم المكانة الإقليمية لإيران بات يعتمد بصورة متزايدة على طبيعة علاقاتها مع دول الجوار، والدول الإسلامية، وأعضاء المنظمات الإقليمية، والقوى الصاعدة. كما أن المشاركة الواسعة لدول آسيا الوسطى، والقوقاز، والعالم العربي، وجنوب آسيا، وشرق آسيا، تعكس تشكّل شبكة متنامية من العلاقات، يُتوقع أن يكون لها تأثير ملحوظ في معادلات المنطقة خلال المرحلة المقبلة.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن هذا التقارب تحقق من دون جدول أعمال رسمي، أو بيانٍ مشترك، أو مفاوضات دبلوماسية مباشرة. فقد تحولت مراسم التشييع نفسها إلى فضاءٍ للدبلوماسية الرمزية؛ دبلوماسية أتاحت، من خلال تكريم شخصيةٍ ذات تأثير واسع، فرصاً للحوار، والتواصل، وتبادل الرسائل السياسية. وتؤكد هذه التجربة أن الأدوات الثقافية، والدينية، والرمزية، والطقوس الاجتماعية، يمكن أن تؤدي، إلى جانب الدبلوماسية التقليدية، دوراً مهماً في تقليص الفجوات، وتهيئة بيئات جديدة للتعاون بين الدول الإسلامية.
وانطلاقاً من هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى تشييع القائد الشهيد بوصفه حدثاً داخلياً، أو حتى مناسبةً دولية فحسب، بل يمكن اعتباره نموذجاً لـ«التقارب الطقوسي» في العالم الإسلامي؛ ذلك التقارب الذي أثبت أن الرصيد الرمزي المشترك ما يزال يمتلك القدرة على جمع مختلف الفاعلين في العالم الإسلامي ضمن إطارٍ واحد. كما تحمل هذه التجربة درساً استراتيجياً للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، يتمثل في أن تعظيم الاستثمار في المقومات الثقافية، والتاريخية، والروحية المشتركة للأمة الإسلامية، من شأنه أن يعزز فرص تحويل المشتركات الحضارية إلى مجالات أوسع للتعاون السياسي والاجتماعي.
أمید علي بور
رئيس تحرير المواقع الإلكترونية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
