عطف على جملة ( ولعنوا بما قالوا ) عطف الخبر على الإنشاء على أحد الوجهين فيه . وفي هذا الخبر الإيماء إلى أن الله عاقبهم في الدنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقى البغضاء بين بعضهم وبعض فهو جزاء من جنس العمل وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمه أمر عداوتهم له فإن البغضاء سجيتهم حتى بين أقوامهم وأن هذا الوصف دائم لهم شأن الأوصاف التي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلق الحسن . وتقدم القول في نظيره آنفا .
( كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين [ 64 ] ) A E تركيب ( أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ) تمثيل شبه به حال التهيؤ للحرب والاستعداد لها والحزامة في أمرها بحال من يوقد النار لحاجة بها فتنطفئ فإنه شاعت استعارات معاني التسعير والحمي والنار ونحوها للحرب ومنه حمي الوطيس وفلان مسعر حرب ومحش حرب فقوله ( أوقدوا نارا للحرب ) كذلك ولا نار في الحقيقة إذ لم يؤثر عن العرب أن لهم نارا تختص بالحرب تعد في نيران العرب التي يوقدونها لأغراض . وقد وهم من ظنها حقيقة ونبه المحققون على وهمه .
وشبه حال انحلال عزمهم أو انهزامهم وسرعة ارتدادهم عنها وإحجامهم عن مصاحبة أعدائهم بحال من انطفأت ناره التي أوقدها .
ومن بداعة هذا التمثيل أنه صالح لأن يعتبر فيه جمعه وتفريقه بأن يجعل تمثيلا واحدا لحالة مجموعة أو تمثيلين لحالتين وقبول التمثيل للتفريق أتم بلاغة . والمعنى أنهم لا يلتئم لهم أمر حرب ولا يستطيعون نكاية عدو ولو حاربوا أو حوربوا انهزموا فيكون معنى الآية على هذا كقوله ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ) .
وأما ما يروي أن معدا كلها لما حاربوا مذبح يوم " خزازى " وسيادتهم لتغلب وقائدهم كليب أمر كليب أن يوقدوا نارا على جبل خزازى ليهتدي بها الجيش لكثرته وجعلوا العلامة بينهم أنهم إذا دهمتهم جيوش مذحج أوقدوا نارين على " خزازى " فلما دهمتهم مذحج أوقدوا النار فتجمعت معد كلها إلى ساحة القتال وانهزمت مذحج . وهذا الذي أشار إليه عمرو بن كلثوم بقوله : .
ونحن غداة أوقد في خزازى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا فتلك شعار خاص تواضعوا عليه يومئذ فلا يعد عادة في جميع الحروب .
وحيث لا تعرف نار للحرب تعين الحمل على التمثيل ولذلك أجمع عليه المفسرون في هذه الآية فليس الكلام بحقيقة ولا كناية .
وقوله ( ويسعون في الأرض فسادا ) القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفا عند قوله تعالى ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ) .
( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم [ 65 ] ) عقب نهيهم وذمهم بدعوتهم للخير بطريقة التعريض إذ جاء بحرف الامتناع فقال ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ) والمراد اليهود . والمراد بقوله ( آمنوا ) الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . وفي الحديث : اثنان يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي " أي عندما بلغته الدعوة المحمدية " فله أجران ورجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران .
واللام في قوله ( لكفرنا عنهم وقوله ولأدخلناهم ) لام تأكيد يكثر وقوعها في جواب ( لو ) إذا كان فعلا ماضيا مثبتا لتأكيد تحقيق التلازم بين شرط ( لو ) وجوابها ويكثر أن يجرد جواب لو عن اللام كما سيأتي عند قوله تعالى ( لو نشاء جعلناه أجاجا ) في سورة الواقعة .
( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )