وقد أشار القرآن إلى هذين الحدثين بقوله ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم ) وهذا هو الذي اختاره القفال . وفي الآية أقوال أخر استقصاها الفخر .
وقد دلت ( ثم ) على تراخي الفعلين المعطوفين بها عن الفعلين المعطوف عليهما وأن هنالك عميين وصممين في زمنين سابق ولاحق ومع ذلك كانت الضمائر المتصلة بالفعلين المعطوفين عين الضمائر المتصلة بالفعلين المعطوف عليهما والذي سوغ ذلك أن المراد بيان تكرر الأفعال في العصور وادعاء أن الفاعل واحد ؛ لأن ذلك شأن الأخبار والصفات المثبتة للأمم والمسجل بها عليهم توارث السجايا فيهم من حسن أو قبيح وقد علم أن الذين عموا وصموا ثانية غير الذين عموا وصموا أول مرة ولكنهم لما كانوا خلفا عن سلف وكانوا قد أورثوا أخلاقهم أبناءهم اعتبروا كالشيء الواحد كقولهم : بنو فلان لهم تراث مع بني فلان .
وقوله ( كثير منهم ) بدل من الضمير في قوله ( ثم عموا وصموا ) قصد منه تخصيص أهل الفضل والصلاح منهم في كل عصر بأنهم برآء مما كان عليه دهماؤهم صدعا بالحق وثناء على الفضل .
A E وإذ قد كان مرجع الضميرين الأخيرين في قوله ( ثم عموا وصموا ) هو عين مرجع الضميرين الأولين في قوله ( فعموا وصموا ) كان الإبدال من الضميرين الأخيرين المفيد تخصيصا من عمومهما مفيدا تخصيصا من عموم الضميرين اللذين قبلهما بحكم المساواة بين الضمائر إذ قد اعتبرت ضمائر أمة واحدة فإن مرجع تلك الضمائر هو قوله ( بني إسرائيل ) . ومن الضروري أن لا تخلوا أمة ضالة في كل جيل من وجود صالحين فيها فقد كان في المتأخرين منهم أمثال عبد الله بن سلام وكان في المتقدمين يوشع وكالب اللذين قال الله في شأنها ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ) .
وقوله ( والله بصير بما يعملون ) تذييل . والبصير مبالغة في المبصر كالحكيم بمعنى المحكم وهو هنا بمعنى العليم بكل ما يقع في أفعالهم التي من شأنها أن يبصرها الناس سواء ما أبصره الناس منها أم ما لم يبصروه والمقصود من هذا الخبر لازم معناه وهو الإنذار والتذكير بأن الله لا يخفى عليه شيء فهو وعيد لهم على ما ارتكبوه بعد أن تاب الله عليهم .
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ( أن لا تكون ) بفتح نون تكون على اعتبار ( أن ) حرف مصدر ناصب للفعل . وقرأ أبو عمرو وحمزة ويعقوب وخلف بضم النون على اعتبار ( أن ) مخففة من ( أن ) أخت ( إن ) المكسورة الهمزة . وأن خففت يبطل عملها المعتاد وتصير داخلة على جملة . وزعم بعض النحاة أنها مع ذلك عاملة وأن اسمها ملتزم الحذف وأن خبرها ملتزم كونه جملة .
وهذا توهم لا دليل عليه . وزاد بعضهم فزعم أن اسمها المحذوف ضمير الشأن . وهذا أيضا توهم على توهم وليس من شأن ضمير الشأن أن يكون محذوفا لأنه مجتلب للتأكيد على أن عدم ظهوره في أي استعمال يفند دعوى تقديره .
( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار [ 73 ] ) استئناف ابتدائي لإبطال ما عليه النصارى يناسب الانتهاء من إبطال ما عليه اليهود .
وقد مضى القول آنفا في نظير قوله ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا ) ومن نسب إليه هذا القول من طوائف النصارى