وقوله ( والله غفور رحيم ) تذييل بثناء على الله بأنه يغفر لمن تاب واستغفر ما سلف منه لأن ( غفور رحيم ) من أمثلة المبالغة يدلان على شدة الغفران وشدة الرحمة فهو وعد بأنهم إن تابوا واستغفروه رفع عنهم العذاب برحمته وصفح عما سلف منهم بغفرانه .
( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون [ 75 ] ) استئناف لتبيان وصف المسيح في نفس الأمر ووصف أمه زيادة في إبطال معتقد النصارى إلهية المسيح وإلهية أمه إذ قد علم أن قولهم ( إن الله ثالث ثلاثة ) أرادوا به إلهية المسيح . وذلك معتقد جميع النصارى . وفرعت طائفة من النصارى يلقبون " بالركوسية " " وهم أهل ملة نصرانية صابئة " على إلهية عيسى إلهية أمه ولولا أن ذلك معتقدهم لما وقع التعرض لوصف مريم ولا للاستدلال على بشريتها بأنهما كانا يأكلان الطعام .
فقوله ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول ) قصر موصوف على صفة وهو قصر إضافي أي المسيح مقصور على صفة الرسالة لا يتجاوزها إلى غيرها وهي الإلهية . فالقصر قصر قلب لرد اعتقاد النصارى أنه الله .
وقوله ( قد خلت من قبله الرسل ) صفة لرسول أريد بها أنه مساو للرسل الآخرين الذين مضوا قبله وأنه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختص فيه بخصوصية لم تكن لغيره في وصف الرسالة . فلا شبهة للذين ادعوا له الإلهية إذ لم يجيء بشيء زائد على ما جاءت به الرسل وما جرت على يديه إلا معجزات كما جرت على أيدي رسل قبله وإن اختلفت صفاتها فقد تساوت في أنها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض فما كان إحياؤه الموتى بحقيق أن يوهم إلهيته . وفي هذا نداء على غباوة القوم الذين استدلوا على إلهيته بأنه أحيا الموتى من الحيوان فإن موسى أحيا العصا وهي جماد فصارت حية .
A E وجملة ( وأمه صديقة ) معطوفة على جملة ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول ) . والقصد من وصفها بأنها صديقة نفي أن يكون لها وصف أعلى من ذلك وهو وصف الإلهية لأن المقام لإبطال قول الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة إذ جعلوا مريم الأقنوم الثالث . وهذا هو الذي أشار إليه قول صاحب الكشاف إذ قال " أي وما أمه إلا صديقة " مع أن الجملة لا تشتمل على صيغة حصر . وقد وجهه العلامة التفتزاني في شرح الكشاف بقوله " الحصر الذي أشار إليه مستفاد من المقام والعطف " " أي من مجموع الأمرين " . وفي قول التفتزاني : والعطف نظر .
والصديقة صيغة مبالغة مثل شريب ومسيك مبالغة في الشرب والمسك ولقب امرئ القيس بالملك الضليل لأنه لم يهتد إلى ما يسترجع به ملك أبيه . والأصل في هذه الصيغة أن تكون مشتقة من المجرد الثلاثي . فالمعنى المبالغة في وصفها بالصدق أي صدق وعد ربها وهو ميثاق الإيمان وصدق وعد الناس . كما وصف إسماعيل عليه السلام بذلك في قوله تعالى ( واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد ) . وقد لقب يوسف بالصديق لأنه صدق وعد ربه في الكف عن المحرمات مع توفر أسبابها . وقيل : أريد هنا وصفها بالمبالغة في التصديق لقوله تعالى ( وصدقت بكلمات ربها ) كما لقب أبو بكر بالصديق لأنه أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى ( والذي جاء بالصدق وصدق به ) فيكون مشتقا من المزيد .
وقوله ( كانا يأكلان الطعام ) جملة واقعة موقع الاستدلال على مفهوم القصر الذي هو نفي إلهية المسيح وأمه ولذلك فصلت عن التي قبلها لأن الدليل بمنزلة البيان وقد استدل على بشريتهما بإثبات صفة من صفات البشر وهي أكل الطعام . وإنما اختيرت هذه الصفة من بين صفات كثيرة لأنها ظاهرة واضحة للناس ولأنها أثبتتها الأناجيل ؛ فقد أثبتت أن مريم أكلت ثمر النخلة حين مخاضها وأن عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزا وشرب خمرا وفي إنجيل لوقا إصحاح 22 " وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأني لا آكل منه بعد وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع "