وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لمجرد الاهتمام بخبر إسناد الشرك إليهم أي أنتم الذين تتضرعون إلى الله باعترافكم تشركون به من قبل ومن بعد من باب ( ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ) ومن باب : لو غيرك قالها ولو ذات سوار لطمتني .
وجيء بالمسند فعلا مضارعا لإفادة تجدد شركهم وأن ذلك التجدد والدوام عليه أعجب .
والمعنى أن الله أنجاكم فوعدتم أن تكونوا من الشاكرين فإذا أنتم تشركون . وبين ( الشاكرين ) و ( تشركون ) الجناس المحرف .
( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) استئناف ابتدائي عقب به ذكر النعمة التي في قوله ( قل من ينجيكم ) بذكر القدرة على الانتقام تخويفا للمشركين . وإعادة فعل الأمر بالقول مثل إعادته في نظائره للاهتمام المبين عند قوله تعالى ( قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ) . والمعنى قل للمشركين فالمخاطب بضمائر الخطاب هم المشركون . والمقصود من الكلام ليس الإعلام بقدرة الله تعالى فإنها معلومة ولكن المقصود التهديد بتذكيرهم بأن القادر من شأنه أن يخاف بأسه فالخبر مستعمل في التعريض مجازا مرسلا مركبا أو كناية تركيبية . وهذا تهديد لهم لقولهم ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) .
وتعريف المسند والمسند إليه أفاد القصر فإفاد اختصاصه تعالى بالقدرة على بعث العذاب عليهم وأن غيره لا يقدر على ذلك فلا ينبغي لهم أن يخشوا الأصنام ولو أرادوا الخير لأنفسهم لخافوا الله تعالى وأفردوه بالعبادة لمرضاته فالقصر المستفاد إضافي . والتعريف في ( القادر ) تعريف الجنس إذ لا يقدر غيره تعالى على مثل هذا العذاب .
والعذاب الذي من فوق مثل الصواعق والريح والذي من تحت الأرجل مثل الزلازل والخسف والطوفان .
و ( يلبسكم ) مضارع لبسه بالتحريك أي خلطه وتعدية فعل ( يلبسكم ) إلى ضمير الأشخاص بتقدير اختلاط أمرهم واضطرابه ومرجه أي اضطراب شؤونهم فإن استقامة الأمور تشبه انتظام السلك ولذلك سميت استقامة أمور الناس نظاما . وبعكس ذلك اختلال الأمور والفوضى تشبه اختلاط الأشياء ولذلك سمي مرجا ولبسا . وذلك بزوال الأمن ودخول الفساد في أمور الأمة ولذلك يقرن الهرج وهو القتل بالمرج وهو الخلط فيقال : هم في هرج ومرج فسكون الراء في الثاني للمزاوجة .
وانتصب ( شيعا ) على الحال من الضمير المنصوب في ( يلبسكم ) . والشيع جمع شيعة بكسر الشين وهي الجماعة المتحدة في غرض أو عقيدة أو هوى فهم متفقون عليه قال تعالى ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) . وشيعة الرجل أتباعه والمقتدون به قال تعالى ( وإن من شيعته لإبراهيم ) أي من شيعة نوح .
وتشتت الشيع وتعدد الآراء أشد في اللبس والخلط لأن اللبس الواقع كذلك لبس لا يرجى بعده انتظام .
وعطف عليه ( ويذيق بعضكم بأس بعض ) لأن من عواقب ذلك اللبس التقاتل . فالبأس هو القتل والشر قال تعالى ( وسرابيل تقيكم بأسكم ) . والإذاقة استعارة للألم .
وهذا تهديد للمشركين كما قلنا بطريق المجاز أو الكناية . وقد وقع منه الأخير فإن المشركين ذاقوا بأس المسلمين يوم بدر وفي غزوات كثيرة .
A E