وقوله ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) حذف متعلق ( أطعتموهم ) لدلالة المقام عليه أي : إن أطعتموهم فيما يجادلونكم فيه وهو الطعن في الإسلام والشك في صحة أحكامه . وجملة : ( إنكم لمشركون ) جواب الشرط . وتأكيد الخبر بإن لتحقيق التحاقهم بالمشركين إذا أطاعوا الشياطين وإن لم يدعوا لله شركاء لأن تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك فلذلك احتيج إلى التأكيد أو أراد : إنكم لصائرون إلى الشرك فإن الشياطين تستدرجكم بالمجادلة حتى يبلغوا بكم إلى الشرك فيكون اسم الفاعل مرادا به الاستقبال .
وليس المعنى : إن أطعتموهم في الإشراك بالله فأشركتم بالله إنكم لمشركون لأنه لو كان كذلك لم يكن لتأكيد الخبر سبب بل ولا للإخبار بأنهم مشركون فائدة .
وجملة : ( إنكم لمشركون ) جواب الشرط ولم يقترن بالفاء لأن الشرط إذا كان مضافا يحسن في جوابه التجريد عن الفاء قاله أبو البقاء العكبري وتبعه البيضاوي لأن تأثير الشرط الماضي في جزائه ضعيف فكما جاز رفع الجزاء وهو مضارع إذا كان شرطه ماضيا كذلك جاز كونه جملة اسمية غير مقترنة بالفاء . على أن كثيرا من محققي النحويين يجيز حذف فاء الجواب في غير الضرورة فقد أجازه المبرد وابن مالك في شرحه على مشكل الجامع الصحيح وجعل منه قوله صلى الله عليه وسلم : " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة " على رواية إن بكسر الهمزة دون رواية فتح الهمزة .
( أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكفرين ما كانوا يعملون [ 122 ] ) الواو في قوله : ( أو من كان ميتا ) عاطفة لجملة الاستفهام على جملة : ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) لتضمن قوله : ( وإن أطعتموهم ) أن المجادلة المذكورة من قبل مجادلة في الدين : بتحسين أحوال أهل الشرك وتقبيح أحكام الإسلام التي منها : تحريم الميتة وتحريم ما ذكر اسم غير الله عليه . فلما حذر الله المسلمين من دسائس أولياء الشياطين ومجادلتهم بقوله : ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ) أعقب ذلك بتفظيع حال المشركين ووصف حسن حالة المسلمين حين فارقوا الشرك فجاء بتمثيلين للحالتين ونفى مساواة إحداهما للأخرى : تنبيها على سوء أحوال أهل الشرك وحسن حال أهل الإسلام .
والهمزة للاستفهام المستعمل في إنكار تماثل الحالتين : فالحالة الأولى حالة الذين أسلموا بعد أن كانوا مشركين وهي المشبهة بحال من كان ميتا مودعا في ظلمات فصار حيا في نور واضح وسار في الطريق الموصلة للمطلوب بين الناس . والحالة الثانية حالة المشرك وهي المشبهة بحالة من هو في الظلمات ليس بخارج منها لأنه في ظلمات . وفي الكلام إيجاز حذف في ثلاثة مواضع استغناء بالمذكور عن المحذوف : فقوله : ( أو من كان ميتا ) معناه : أحال من كان ميتا أو صفة من كان ميتا . وقوله : ( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ) يدل على أن المشبه به حال من كان ميتا في ظلمات . وقوله : ( كمن مثله في الظلمات ) تقديره : كمن مثله مثل ميت فما صدق ( من ) ميت بدليل مقابلته بميت في الحالة المشبهة فيعلم أن جزء الهيئة المشبهة هو الميت لأن المشبه والمشبه به سواء في الحالة الأصلية وهي حالة كون الفريقين مشركين . ولفظ مثل بمعنى حالة . ونفي المشابهة هنا معناه نفي المساواة ونفي المساواة كناية عن تفضيل إحدى الحالتين على الأخرى تفضيلا لا يلتبس فذلك معنى نفي المشابهة كقوله : ( قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور وقوله أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) .
والكاف في قوله : ( كمن مثله في الظلمات ) كاف التشبيه وهو تشبيه منفي بالاستفهام الإنكاري .
والكلام جار على طريقة تمثيل حال من أسلم وتخلص من الشرك بحال من كان ميتا فأحيي وتمثيل حال من هو باق في الشرك بحال ميت باق في قبره .
A E