وعن جماعة من المفسرين منهم أبو وائل ؛ الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها كانت لهم سنة في بعض الأنعام أن لا يحج عليها فكانت تركب في كل وجه إلا الحج وأنها المراد بقوله : ( وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) لأن الحج لا يخلو من ذكر الله حين الكون على الراحلة من تلبية وتكبير فيكون : ( لا يذكرون اسم الله عليها ) كناية عن منع الحج عليها والظاهر ن هذه هي الحامي والبحيرة والسائبة لأنهم لما جعلوا نفعها للأصنام لم يجيزوا أن تستعمل في غير خدمة الأصنام .
وقوله : ( وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ) معطوف على قوله : ( وأنعام حرمت ظهورها ) وهو عطف صنف على صنف بقرينة استيفاء أوصاف المعطوف عليه كما تقدم في نظيره .
وانتصب : ( افتراء عليه ) على المفعولية المطلقة ل ( قالوا ) أي قالوا ذلك قول افتراء لأن الافتراء بعض أنواع القول فصح أن ينتصب على المفعول المطلق المبين لنوع القول والافتراء الكذب الذي لا شبهة لقائله فيه وتقدم عند قوله تعالى : ( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) في سورة آل عمران وعند قوله : ( ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ) في سورة العقود . وإنما كان قولهم افتراء : نهم استندوا فيه لشيء ليس وأردوا لهم من جانب الله بل هو من ضلال كبرائهم .
A E وجملة : ( سيجزيهم بما كانوا يفترون ) استئناف بياني لأن الافتراء على الخالق أمر شنيع عند جميع الخلق فالإخبار به يثير سؤال من يسأل عما سيلقونه من جزاء افترائهم فأجيب بأن الله سيجزيهم بما كانوا يفترون . وقد أبهم الجزاء للتهويل لتذهب النفوس كل مذهب ممكن في أنواع الجزاء على الإثم والباء بمعنى ( عن ) أو للبدلية والعوض .
( وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم [ 139 ] ) عطف على قوله : ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر ) . وأعيد فعل : ( وقالوا ) لاختلاف غرض المقول .
والإشارة إلى أنعام معروفة بينهم بصفاتها كما تقدم أو إلى الأنعام المذكورة قبل . ولا يتعلق غرض في هذه الآية بأكثر من إجمال الأشياء التي حرموها لأن المقصود التعجيب من فساد شرعهم كما تقدم آنفا وهذا خبر عن دينهم في أجنة الأنعام التي حجروها أو حرموا ظهورها فكانوا يقولون في لجنة البحيرة والسائبة : إذا خرجت أحياء يحل أكلها للذكور دون النساء وإذا خرجت ميتة حل أكلها للذكور والنساء فالمراد بما في البطون أجنة لا محالة لقوله : ( وإن يكن ميتة ) وقد كانوا يقولون في ألبان البحيرة والسائبة : يشربها الرجال دون النساء فظن بعض المفسرين أن المراد بما في بطون الأنعام ألبانها وروي عن ابن عباس ولا ينبغي أن يكون هو معنى الآية ولكن محمل كلام ابن عباس أن ما في البطون يشمل الألبان لأنها تابعة للأجنة وناشئة عن ولادتها .
والخالصة : السائغة أي المباحة أي لا شائبة حرج فيها أي في أكلها ويقابله قوله : ( ومحرم ) .
وتأنيث ( خالصة ) لأن المراد بما الموصولة ( الأجنة ) فروعي معنى ( ما ) وروعي لفظ ( ما ) في تذكير ( محرم ) .
والمحرم : الممنوع أي ممنوع أكله فإسناد الخلوص والتحريم إلى الذوات بتأويل تحريم ما تقصد له وهو الأكل أو هو والشرب بدلالة الاقتضاء .
والأزواج جمع زوج وهو وصف للشيء الثاني لغيره فكل واحد من شيئين اثنين هو زوج ولذلك سمي حليل المرأة زوجا وسميت المرأة حليلة الرجل زوجا وهو وصف يلازم حالة واحدة فلا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع . وقد تقدم عند قوله تعالى : ( وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) في سورة البقرة