ومن المفسرين من فسر الفواحش بالزنا وجعل ما ظهر منها ما يفعله سفهاءهم في الحوانيت وديار البغايا وبما بطن اتخاذ الأخدان سرا وروى هذا عن السدي وروى عن الضحاك وابن عباس : كان أهل الجاهلية يرون الزنا سرا حلالا ويستقبحونه في العلانية فحرم الله الزنى في السر والعلانية وعندي أن صيغة الجمع في الفواحش ترجع التفسير الأول كقوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) . ولعل الذي حمل هؤلاء على تفسير الفواحش بالزنى قوله في سورة الإسراء في آيات عددت منهيات كبيرة تشابه آيات هذه السورة وهي قوله : ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) وليس يلزم أن يكون المراد بالآيات المتماثلة واحدا . وتقدم القول في ( ما ظهر وما بطن ) عند قوله تعالى : ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه ) في هذه السورة .
وأعقب ذلك بالنهي عن قتل النفس وهو من الفواحش على تفسيرها بالأعم تخصيصا له بالذكر : لأنه فساد عظيم ولأنه كان متفشيا بين العرب .
والتعريف في النفس تعريف الجنس فيفيد الاستغراق .
ووصفت بالتي ( حرم الله ) تأكيدا للتحريم بأنه تحريم قديم . فإن الله حرم قتل النفس من عهد آدم وتعليق التحريم بالنفس : هو على وجه دلالة الاقتضاء أي حرم الله قتلها على ما هو المعروف في تعليق التحريم والتحليل بأعيان الذوات أنه يراد تعليقه بالمعنى الذي تستعمل تلك الذات فيه كقوله ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) أي أكلها ويجوز أن يكون معنى : ( حرم الله ) جعلها الله حرما أي شيئا محترما لا يتعدى عليه كقوله تعالى ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) . وفي الحديث : " وإني أحرم ما بين لابتيها " .
وقوله ( إلا الحق ) استثناء مفرغ من عموم أحواله ملابسة القتل أي لا تقتلوها في أية حالة أو بأي سبب تنتحلونه إلا بسبب الحق فالباء للملابسة أو السببية .
والحق ضد الباطل هو الأمر الذي حق أي ثبت أنه غير باطل في حكم الشريعة وعند أهل العقول السليمة البريئة من هوى أو شهوة خاصة فيكون الأمر الذي اتفقت العقول على قبوله هو ما اتفقت عليه الشرائع أو الذي اصطلح أهل نزعة خاصة على أنه يحق وقوعه وهو ما اصطلحت عليه شريعة خاصة بأمة أو زمن .
فالتعريف في : ( الحق ) للجنس والمراد به ما يتحقق فيه ماهية الحق المتقدم شرحها وحيثما أطلق في الإسلام فالمراد به ماهيته في نظر الإسلام وقد فصل الإسلام حق قتل النفس بالقرآن والسنة وهو قتل المحارب والقصاص وهذان بنص القرآن وقتل المرتد عن الإسلام بعد استتابته وقتل الزاني المحصن وقتل الممتنع من أداة الصلاة بعد إنظاره حتى يخرج وقتها وهي الثلاثة وردت بها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنه القتل الناشئ عن إكراه ودفاع مأذون فيه شرعا . وذلك قتل من يقتل من البغاة وهو بنص القرآن وقتل من يقتل من مانعي الزكاة وهو بإجماع الصحابة وأما الجهاد فغير داخل في قوله : ( إلا بالحق ) ولكن قتل الأسير في الجهاد إذا كان لمصلحة كان حقا وقد فصلنا الكلام على نظير هذه الآية في سورة الإسراء .
والإشارة بقوله : ( ذلكم وصاكم به ) إلى مجموع ما ذكر ولذلك أفرد اسم الإشارة باعتبار المذكور ولو أتى بإشارة الجمع لكان ذلك فصيحا ومنه : ( كل أولئك كان عنه مسؤولا ) .
وتقدم معنى الوصاية عند قوله : ( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا ) آنفا .
وقوله : ( لعلكم تعقلون ) رجاء أن يعقلوا أي يصيروا ذوي عقول لأن ملابسة بعض المحرمات ينبئ عن خساسة عقل بحيث ينزل ملابسوها منزلة من لا يعقل فلذلك رجي أن يعقلوا .
وقوله : ( ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) تذييل جعل نهاية للآية فأما إلى تنهية نوع المحرمات وهو المحرمات الراجع تحريمها إلى إصلاح الحالة الاجتماعية للأمة بإصلاح الاعتقاد وحفظ نظام العائلة والانكفاف عن المفاسد وحفظ النوع بترك التقاتل .
( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده )