وعطفت جملة ( صورناكم ) بحرف ( ثم ) الدالة على تراخي رتبة التصوير عن رتبة الخلق لأن التصوير حالة كمال في الخلق بأن كان الإنسان على الصورة الإنسانية المتقنة حسنا وشرفا بما فيها من مشاعر الإدراك والتدبير سواء كان التصوير مقارنا للخلق كما في خلق آدم أم كان بعد الخلق بمدة كما في تصوير الأجنة من عظام ولحم وعصب وعروق ومشاعر كقوله تعالى : ( فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ) .
A E وتعدية فعلي ( خلقنا ) و ( صورنا ) إلى ضمير الخطاب ينتظم في سلك ما عاد إليه الضمير قبله في قوله ( ولقد مكناكم في الأرض ) الآية فالخطاب للناس كلهم توطئة لقوله فيما يأتي : ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) والمقصود بالخصوص منه المشركون لأنهم الذين سول لهم الشيطان كفران هذه النعم لقوله تعالى عقب ذلك : ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ) وقوله فيما تقدم : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون ) .
وأما تعلق فعلى الخلق والتصوير بضمير المخاطبين فمراد منه أصل نوعهم الأول وهو آدم بقرينة تعقيبه بقوله : ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) فنزل خلق أصل نوعهم منزلة خلق أفراد النوع الذين منهم المخاطبون لأن المقصود التذكير بنعمة الإيجاد ليشكروا موجدهم ونظيره قوله تعالى : ( إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ) أي حملنا أصولكم وهم الذين كانوا مع نوح وتناسل منهم الناس بعد الطوفان لأن المقصود الامتنان على المخاطبين بإنجاء أصولهم الذين تناسلوا منهم ويجوز أن يؤول فعلا الخلق والتصوير بمعنى إرادة حصول ذلك كقوله تعالى حكاية عن كلام الملائكة مع إبراهيم : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين ) أي أردنا إخراج من كان فيها فإن هذا الكلام وقع قبل أمر لوط ومن آمن به بالخروج من القرية .
ودل قوله : ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) على أن المخلوق والمصور هو آدم ومعنى الكلام خلقنا أصلكم وصورناه فبز موجودا معينا مسمى بآدم فإن التسمية طريق لتعين المسمى ثم أظهرنا فضله وبديع صنعنا فيه فقلنا للملائكة اسجدوا له فوقع إيجاز بديع في نسج الكلام .
و ( ثم ) في قوله : ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) عاطفة الجملة على الجملة فهي مقيدة للتراخي الرتبي لا للتراخي الزماني وذلك أن مضمون الجملة المعطوفة هنا أرقى رتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها .
وقوله : ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) تقدم تفسيره وبيان ما تقدم أمر الله الملائكة بالسجود لآدم من ظهور فضل ما علمه الله من الأسماء ما لم يعلمه الملائكة عند قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ) في سورة البقرة .
وتعريف ( الملائكة ) للجنس فلا يلزم أن يكون الأمر عاما لجميع الملائكة بل يجوز أن يكون المأمورون هم الملائكة الذين كانوا في المكان الذي خلق فيه آدم ونقل ذلك عن ابن عباس ويحتمل الاستغراق لجميع الملائكة . وطريق أمرهم جميعا وسجودهم جميعا لآدم لا يعلمه إلا الله لأن طرق علمهم بمراد الله عنهم في العالم العلوي لا تقاس على المألوف في عالم الأرض .
واعلم أن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم لا يقتضي أن يكون آدم قد خلق في العالم الذي فيه الملائكة بل ذلك محتمل ويحتمل أن الله لما خلق آدم حشر الملائكة وأطلعهم على هذا الخلق العجيب فإن الملائكة ينتقلون من مكان إلى مكان فالآية ليست نصا في أن آدم خلق في السماوات ولا أنه في الجنة التي هي دار الثواب والعقاب وإن كان ظاهرها يقتضي ذلك وبهذا الظاهر أخذ جمهور أهل السنة وتقدم ذلك في سورة البقرة . واستثناء إبليس من الساجدين في قوله : ( إلا إبليس ) يدل على أنه كان في عداد الملائكة لأنه كان مختلطا بهم . وقال السكاكي في المفتاح عد إبليس من الملائكة بحكم التغليب