وقوله ( آية ) حال من اسم الإشارة في قوله ( هذه ناقة الله ) لأن اسم الإشارة فيه معنى الفعل واقترانه بحرف التنبيه يقوي شبهه بالفعل فلذلك يكون عاملا في الحال بالاتفاق وتقدم عند قوله : ( ذلك نتلوه عليك من الآيات ) في سورة آل عمران وسنذكر قصة في هذا عند تفسير قوله تعالى : ( وهذا بعلي شيخا ) في سورة هود .
وأكدت جملة : ( قد جاءتكم بينة ) وزادت على التأكيد إفادة ما اقتضاه قوله ( لكم ) من التخصيص وتثبيت أنها آية وذلك معنى اللام أي هي آية مقنعة لكم ومجعولة لأجلكم .
فقوله : ( لكم ) ظرف مستقر في موضع الحال من ( آية ) وأصله صفة فلما قدم على موصوفة صار حالا وتقديمه للاهتمام بأنها كافية لهم على ما فيهم من عناد .
وإضافة ناقة إلى اسم الله تعالى تشريف لها لأن الله أمر بالإحسان إليها وعدم التعرض لها بسوء وعظم حرمتها كما يقال : الكعبة بيت الله أو لأنها وجدت بكيفية خارقة للعادة فلانتفاء ما الشان أن تضاف إليه من أسباب وجود أمثالها أضيفت إلى اسم الجلالة كما قيل : عيسى " عليه السلام " كلمة الله .
وأما إضافة : ( أرض ) إلى اسم الجلالة فالمقصود منه أن للناقة حقا في الأكل من نبات الأرض لأن الأرض لله وتلك الناقة من مخلوقاته فلها الحق في الانتفاع بما يصلح لانتفاعها .
وقوله ( هذا ) مقدمة لقوله ( ولا تمسوها بسوء ) أي بسوء يعوقها عن الرعي إما بموت أو بجرح وإما لأنهم لما كذبوه وكذبوا معجزته راموا منع الناقة من الرعي لتموت جوعا على معنى الإلجاء الناشئ عن الجهالة .
والأرض هنا مراد بها جنس الأرض كما تقتضيه الإضافة .
وقد جعل الله سلامة تلك الناقة علامة على سلامتهم من عذاب الاستئصال للحكمة التي قدمتها آنفا وأن ما أوصى الله به في شانها شبيه بالحرم وشبيه بحمى الملوك لما فيه من الدلالة على تعظيم نفوس القوم لمن تنسب إليه تلك الحرمة ولذلك قال لهم صالح : ( فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء ) لأنهم إذا مسها أحد بسوء عن رضى من البقية فقد دلوا على أنهم خلعوا حرمة الله تعالى وحنقوا على رسوله " عليه السلام " .
وجزم ( تأكل ) على أن أصله جواب الأمر بتقدير : إن تذروها تأكل فالمعنى على الرفع والاستعمال على الجزم كما في قوله تعالى : ( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ) أي يقيمون وهو كثير في الكلام ويشبه أن أصل جزم أمثاله في الكلام العربي على التوهم لوجود فعل الطلب قبل فعل صالح للجزم ولعل منه قوله تعالى : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) .
وانتصب قوله ( فيأخذكم ) في جواب النهي ليعتبر الجواب للمنهي عنه لأن حرف النهي لا أثر له : أي إن تمسوها بسوء يأخذكم عذاب .
وأنيط النهي بالمس بالسوء لأن المس يصدق على أقل اتصال شيء بالجسم فكل ما ينالها مما يراد منه السوء فهو منهي عنه وذلك لأن الحيوان لا يسوؤه إلا ما فيه ألم لذاته لأنه لا يفقه المعاني النفسانية .
والباء في قوله : ( بسوء ) للملابسة وهي في موضع الحال من فاعل تمسوها أي يقصد سوء .
( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ألا تعثوا في الأرض مفسدين [ 74 ] ) يجوز أن يكون عطفا على قوله ( اعبدوا الله ) وأن يكون عطفا على قوله : ( فذروها تأكل في أرض الله ) الخ . والقول فيه كالقول في قوله : ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) .
( وبوأكم ) معناه أنزلكم مشتق من البوء وهو الرجوع لأن المرء يرجع إلى منزله ومسكنه وتقدم في سورة آل عمران ( تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ) .
وقوله ( في الأرض ) يجوز أن يكون تعريف الأرض للعهد أي في أرضكم هذه وهي أرض الحجر ويجوز أن يكون للجنس لأنه لما بوأاهم في أرض معينة فقد بوأهم في جانب من جوانب الأرض .
و ( السهول ) جمع سهل وهو المستوي من الأرض وضده الجبل .
والقصور : جمع فصر وهو المسكن وهذا يدل على أنهم كانوا يشيدون القصور وآثارهم تنطق بذلك . و ( من ) في قوله ( من سهولها ) للظرفية أي : تتخذون في سهولها قصورا .
والنحت : بري الحجر والخشب بآلة على تقدير مخصوص .
والجبال : جمع جبل وهو الأرض الناتئة على غيرها مرتفعة والجبال : ضد السهول .
A E