وقرأ الجمهور : ( بكل ساحر ) وقرأ حمزة والكسائي وخلف : ( بكل سحار ) على المبالغة في معرفة السحر فيكون وصف ( عليم ) تأكيدا لمعنى المبالغة لأن وصف ( عليم ) الذي هو من أمثلة المبالغة للدلالة على قوة المعرفة بالسحر وحذف متعلق ( عليم ) لأنه صار بمنزلة أفعال السجايا . والمقام يدل على أن المراد قوة علم السحر له .
( وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين [ 113 ] قال نعم وإنكم لمن المقربين [ 114 ] قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين [ 115 ] قال ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم [ 116 ] ) عطفت جملة ( وجاء السحرة ) على جملة ( قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم ) وفي الكلام إيجاز حذف والتقدير : قالوا أرجه وأخاه وأرسل الخ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا وجاء السحرة من المدائن فحضروا عند فرعون .
A E فالتعريف في قوله ( السحرة ) تعريف العهد أي السحرة المذكورون وكان حضور السحرة عند فرعون في اليوم الذي عينه موسى للقاء السحرة وهو المذكور في سورة طه .
وجملة ( قالوا إن لنا لأجرا ) استئناف بياني بتقدير سؤال من يسأل : ماذا صدر من ا لسحرة حين مثلوا بين يدي فرعون ؟ وقرأ نافع وابن كثير وحفص وأبو جعفر ( إن لنا لأجرا ) ابتداء بحرف ( إن ) دون همزة استفهام وقرأه الباقون بهمزة استفهام قبل ( إن ) .
وعلى القرائتين فالمعنى على الاستفهام كما هو ظاهر الجواب ب ( نعم ) وهمزة الاستفهام محذوفة تخفيفا على القراءة الأولى ويجوز أن يكون المعنى عليها أيضا على الخبرية لأنهم وثقوا بحصول الأجر لهم حتى صيروه في حيز المخبر به عن فرعون ويكون جواب فرعون ( بنعم ) تقريرا لما أخبروا به عنه .
وتنكير ( أجرا ) تنكير تعظيم بقرينة مقام الملك وعظم العمل وضمير ( نحن ) تأكيد لضمير ( كنا ) إشعارا بجدارتهم بالغلب وثقتهم بأنهم أعلم الناس بالسحر فأكدوا ضميرهم لزيادة تقرير مدلوله وليس هو بضمير فصل إذ لا يقصد إرادة القصر لأن إخبارهم عن أنفسهم بالغالبين يغني عن القصر إذ يتعين أن المغلوب في زعمهم هو موسى عليه السلام .
وقول فرعون ( نعم ) إجابة عما استفهموا أو تقريرا لما توسموا : على الاحتمالين المذكورين في قوله ( إن لنا لأجرا ) آنفا فحرف ( نعم ) يقرر مضمون الكلام الذي يجاب به فهو تصديق بعد الخبر وإعلام بعد الاستفهام بحصول الجانب المستفهم عنه والمعنيان محتملان هنا على قراءة نافع ومن وافقه وأما على قراءة غيرهم فيتعين المعنى الثاني .
وعطف جملة ( إنكم لمن المقربين ) على ما تضمنته حرف الجواب إذ التقدير : نعم لكم أجر وإنكم لمن المقريبن وليس هو من عطف التلقين : لأن التلقين إنما يعتبر في كلامين من متكلمين لا من متكلم واحد .
وفصلت جملة ( قالوا يا موسى ) لوقوعها في طريقة المحاورة بينهم وبين فرعون وموسى لأن هؤلاء هم أهل الكلام في ذلك المجمع .
و ( إما ) حرف يدل على الترديد بين أحد شيئين أو أشياء ولا عمل له ولا هو معمول وما بعده يكون معمولا للعامل الذي في الكلام . ويكون ( إما ) بمنزلة جزء كلمة مثل أل المعرفة كقول تأبط شرا : .
هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم والموت بالحر أجدر