والسكينة : الثبات واطمئنان النفس وقد تقدم بيانها عند قوله تعالى ( أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ) في سورة البقرة وتعليقها بإنزال الله وإضافتها إلى ضميره : تنويه بشأنها وبركتها وإشارة إلى أنها سكينة خارقة للعادة ليست لها أسباب ومقدمات ظاهرة وإنما حصلت بمحض تقدير الله وتكوينه أنفا كرامة لنبيه A وإجابة لندائه الناس ولذلك قدم ذكر الرسول قبل ذكر المؤمنين .
وإعادة حرف ( على ) بعد حرف العطف : تنبيه على تجديد تعليق الفعل بالمجرور الثاني للإيماء إلى التفاوت بين السكينتين : فسكينة الرسول E سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف .
والجنود جمع جند . والجند اسم جمع لا واحد له من لفظه وهو الجماعة المهيئة للحرب وواحده بياء النسب : جندي وقد تقدم عند قوله تعالى ( فلما فصل طالوت بالجنود ) في سورة البقرة . وقد يطلق الجند على الأمة العظيمة ذات القوة كما في قوله تعالى ( هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود ) في سورة البروج والمراد بالجنود هنا جماعات من الملائكة موكلون بهزيمة المشركين كما دل عليه فعل أنزل أي أرسلها الله لنصرة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين ولذلك قال ( لم تروها ) ولكون الملائكة ملائكة النصر أطلق عليها اسم الجنود .
وتعذيبه الذين كفروا : هو تعذيب القتل والأسر والسبي .
والإشارة ب ( وذلك جزاء الكافرين ) إلى العذاب المأخوذ من ( عذب ) .
( ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله غفور رحيم ) ( ثم ) للتراخي الرتبي عطف على جملة ( ثم أنزل الله سكينة على رسوله إلى قوله ( وذلك جزاء الكافرين ) . وهذا إشارة إلى إسلام هوازن بعد تلك الهزيمة فإنهم جاءوا رسول الله A مسلمين تائبين وسألوه أن يرد إليهم سيبهم وغنائمهم فذلك أكبر منة في نصر المسلمين إذ أصبح الجند العدو لهم مسلمين معهم لا يخافونهم بعد ذلك اليوم .
والمعنى : ثم تاب الله عليهم أي على الذين أسلموا منهم فقوله ( يتوب الله من بعد ذلك ) دليل المعطوف بثم ولذلك أتي بالمضارع في قوله ( يتوب الله ) دون الفعل الماضي : لأن المقصود ما يشمل توبة هوازن وتوبة غيرهم للإشارة إلى إفادة تجدد التوبة على كل من تاب إلى الله لا يختص بها هوازن فتوبته على هوازن قد عرفها المسلمون فأعلموا بأن الله يعامل بمثل ذلك كل من ندم وتاب فالمعنى : ثم تاب الله عليهم ويتوب الله على من يشاء .
وجملة ( والله غفور رحيم ) تذييل للكلام لإفادة أن المغفرة من شأنه تعالى وأنه رحيم بعباده إن أنابوا إليه وتركوا الإشراك به .
( يا أيها الذين أمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) استئناف ابتدائي للرجوع إلى غرض إقصاء المشركين عن المسجد الحرام المفاد بقوله ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) الآية جيء به لتأكيد الأمر بإبعادهم عن المسجد الحرام مع تعليله بعلة أخرى تقتضي إبعادهم عنه : وهي أنهم نجس فقد علل فيما مضى بأنهم شاهدون على أنفسهم بالكفر فليسوا أهلا لتعمير المسجد المبني للتوحيد وعلل هنا بأنهم نجس فلا يعمروا المسجد لطهارته .
A E و ( نجس ) صفة مشبهة اسم للشيء الذي النجاسة صفة ملازمة له وقد أنيط وصف النجاسة بهم بصفة الإشراك فعلمنا أنها نجاسة معنوية نفسانية وليست نجاسة ذاتية .
والنجاسة المعنوية : هي اعتبار صاحب وصف من الأوصاف محقرا متجنبا من الناس فلا يكون أهلا لفضل ما دام متلبسا بالصفة التي جعلته كذلك فالمشرك نجس لأجل عقيدة إشراكه وقد يكون جسده نظيفا مطيبا لا يستقذر وقد يكون مع ذلك مستقذر الجسد ملطخا بالنجاسات لأن دينه لا يطلب منه التطهر ولكن تنظفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم . والمقصود من هذا الوصف لهم في الإسلام تحقيرهم وتبعيدهم عن مجامع الخبر ولا شك أن خباثة الاعتقاد أدنى بصاحبها إلى التحقير من قذارة الذات ولذلك أوجب الغسل على المشرك إذا أسلم انخلاعا عن تلك القذارة المعنوية بالطهارة الحسية لإزالة خباثة نفسه وان طهارة الحدث لقريب من هذا