الإشارة بقوله ( ذلك ) إلى المذكور : من عدة الشهور الاثني عشر وعدة الأشهر الحرم . أي ذلك التقسيم هو الدين الكامل وما عداه لا يخلو من أن اعتراه التبديل أو التحكم فيه لاختصاص بعض الناس بمعرفته على تفاوتهم في صحة المعرفة .
A E والدين النظام المنسوب إلى الخالق الذي يدان الناس به أي يعاملون بقوانينه . وتقدم عند قوله تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام ) في سورة آل عمران كما وصف بذلك في قوله تعالى ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) .
فكون عدة الشهور اثني عشر تحقق بأصل الخلقة لقوله عقبه ( في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ) .
وكون أربعة من تلك الأشهر أشهرا حرما تحقق بالجعل التشريعي للإشارة عقبه بقوله ( ذلك الدين القيم ) فحصل من مجموع ذلك أن كون الشهور اثني عشر وأن منها أربعة حرما اعتبر من دين الإسلام وبذلك نسخ ما كان في شريعة التوراة من ضبط مواقيت الأعياد الدينية بالتاريخ الشمسي وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية .
وجملة ( ذلك الدين القيم ) معترضة بين جملة ( إن عدة الشهور ) وجملة ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) .
( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) تفريع على ( منها أربعة حرم ) فإنها لما كانت حرمتها مما شرعه الله أوجب الله على الناس تعظيم حرمتها بأن يتجنبوا الأعمال السيئة فيها .
فالضمير المجرور ب ( في ) عائد إلى الأربعة الحرم : لأنها أقرب مذكور ولأنه أنسب بسياق التحذير من ارتكاب الظلم فيها وإلا لكان مجرد اقتضاب بلا مناسبة ولأن الكسائي والفراء ادعيا أن الاستعمال جرى أن يكون ضمير جمع القلة من المؤنث مثل هن كما قال ( فيهن ) إن ضمير جمع الكثرة من المؤنث مثل " ها " يعاملان معاملة الواحد كما قال ( منها أربعة حرم ) ومعلوم أن جموع غير العاقل تعامل معاملة التأنيث وقال الكسائي : إنه من عجائب الاستعمال العربي ولذلك يقولون فيما دون العشر من الليالي " خلون " وفيما فوقها " خلت " . وعن ابن عباس أنه فسر ضمير فيهن بالأشهر الاثني عشر فالمعنى عنده : فلا تظلموا أنفسكم بالمعاصي في جميع السنة يعنى ان حرمة الدين أعظم من حرمة الأشهر الأربعة في الجاهلية وهذا يقتضي عدم التفرقة في ضمائر التأنيث بين " فيها " و " فيهن " وأن الاختلاف بينهما في الآية تفنن وظلم النفس هو فعل ما نهى الله عنه وتوعد عليه فإن فعله إلقاء بالنفس إلى العذاب فكان ظلما للنفس قال تعالى ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ) الآية وقال ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ) .
والأنفس تحتمل أنها أنفس الظالمين في قوله ( فلا تظلموا ) أي لا يظلم كل واحد نفسه . ووجه تخصيص المعاصي في هذه الأشهر بالنهي : أن الله جعلها مواقيت للعبادة فإن لم يكن أحد متلبسا بالعبادة فيها فليكن غير متلبس بالمعاصي وليس النهي عن المعاصي فيها بمقتض أن المعاصي في غير هذه الأشهر ليست منهيا عنها بل المراد أن المعصية فيها أعظم وأن العمل الصالح فيها أكثر أجرا ونظيره قوله تعالى ( ولا فسوق ولا جدال في الحج ) فإن الفسوق منهي عنه في الحج وفي غيره