فلذلك أوثر هنا دون ( لعلكم تتفكرون ) للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقرر في النفوس بالفطرة وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفى في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال .
( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) A E وقع أمرهم بعبادته عقب ذكر الجزاء إنذارا وتبشيرا فالجملة كالدليل على وجوب عبادته وهي بمنزلة النتيجة الناشئة عن إثبات خلقه السماوات والأرض لأن الذي خلق مثل تلك العوالم من غير سابق وجود لا يعجزه أن يعيد بعض الموجودات الكائنة في تلك العوالم خلقا ثانيا . ومما يشير إلى هذا قوله ( إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ) فبدء الخلق هو ما سبق ذكره وإعادته هي ما أفاده قوله ( إليه مرجعكم جميعا ) ولذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من شبه كمال الاتصال على أنها يجوز كونها خبرا آخر عن قوله ( إن ربكم ) أو عن قوله ( ذلكم الله ربكم ) وقد تضمنت هذه الجملة إثبات الحشر الذي أنكروه وكذبوا النبي A لأجله .
وفي تقديم المجرور في قوله ( إليه مرجعكم ) إفادة القصر أي لا إلى غيره قطع لمطامع بعضهم القائلين في إلهتهم ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) يريدون أنهم شفعاء على تسليم وقوع البعث للجزاء فإذا كان الرجوع إليه لا إلى غيره كان حقيقا بالعبادة وكانت عبادة غيره باطلا .
والمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . وقد تقدم في قوله ( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) في سورة العقود .
و ( جميعا ) حال من ضمير المخاطبين المضاف إليه المصدر العامل فيه .
وانتصب ( وعد الله ) على المفعولية المطلقة توكيدا لمضمون الجملة المساوية له ويسمى مؤكدا لنفسه في اصطلاح النحاة لأن مضمون ( إليه مرجعكم ) الوعد بإرجاعهم إليه وهو مفاد وعد الله ويقدر له عامل محذوف لأن الجملة المؤكدة لا تصلح للعمل فيه . والتقدير : وعدكم الله وعدا حقا .
وانتصب ( حقا ) على المفعولية المطلقة المؤكدة لمضمون جملة ( وعد الله ) باعتبار الفعل المحذوف . ويسمى في اصطلاح النحاة مؤكدا لغيره أي مؤكدا لأحد معنيين تحتملهما الجملة المؤكدة .
وجملة ( إنه يبدأ الخلق ) واقعة موقع الدليل على وقوع البعث وإمكانه بأنه قد ابتدأ خلق الناس وابتداء خلقهم يدل على إمكان إعادة خلقهم بعد العدم وثبوت إمكانه يدفع تكذيب المشركين به فكان إمكانه دليلا لقوله ( إليه مرجعكم جميعا ) وكان الاستدلال على إمكانه حاصلا من تقديم التذكير ببدء خلق السماوات والأرض كقوله تعالى ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) .
وموقع ( إن ) تأكيد الخبر نظرا لإنكارهم البعث فحصل التأكيد من قوله ( ثم يعيده ) أما كونه بدأ الخلق فلا ينكرونه .
وقرأ الجمهور ( إنه يبدأ الخلق ) بكسر همزة ( إنه ) . وقرأه أبو جعفر بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل محذوفة أي حق وعده بالبعث لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده فلا تعجزه الإعادة بعد الخلق الأول أو المصدر مفعول مطلق منصوب بما نصب به ( وعد الله ) أي وعد الله وعدا بدء الخلق ثم إعادته فيكون بدلا من ( وعد الله ) بدلا مطابقا أو عطف بيان .
ويجوز أن يكون المصدر المنسبك من ( أن ) وما بعدها مرفوعا بالفعل المقدر الذي انتصب ( حقا ) بإضماره . فالتقدير : حق حقا أنه يبدأ الخلق أي حق بدؤه الخلق ثم إعادته