وقد جاء نظم الآية على إيجاز محكم بديع فذكر في جانب الشر ( يعجل ) الدال على أصل جنس التعجيل ولو بأقل ما يتحقق فيه معناه وعبر عن تعجيل الله الخير لهم بلفظ ( استعجالهم ) الدال على المبالغة في التعجيل بما تفيده زيادة السين والتاء لغير الطلب إذ لا يظهر الطلب هنا وهو نحو قولهم : استأخر واستقدم واستجلب واستقام واستبان واستجاب واستمتع واستكبر واستخفى وقوله تعالى ( واستغشوا ثيابهم ) . ومعناه : تعجلهم الخير كما حمله عليه في الكشاف للإشارة إلى أن تعجيل الخير من لدنه .
فليس الاستعجال هنا بمعنى طلب التعجيل لأن المشركين لم يسألوا تعجيل الخير ولا سألوه فحصل بل هو بمعنى التعجل الكثير كما في قول سلمى بن ربيعة : وإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعجلت نصب القدور فملت " أي تعجلت " وهو في هذا الاستعمال مثله في الاستعمال الآخر يتعدى إلى مفعول كما في البيت وكما في الحديث ( فاستعجل الموت ) .
وانتصب ( استعجالهم ) على المفعولية المطلقة المفيدة للتشبيه والعامل فيه " يعجل " والمعنى : ولو يعجل الله للناس الشر كما يجعل لهم الخير كثيرا فقوله ( استعجالهم ) مصدر مضاف إلى مفعوله لا إلى فاعله وفاعل الاستعجال هو الله تعالى كما دل عليه قوله ( ولو يعجل الله ) .
A E والباء في قوله ( بالخير ) لتأكيد اللصوق كالتي في قوله تعالى ( وامسحوا برؤوسكم ) . وأصله : استعجالهم الخير فدلت المبالغة بالسين والتاء وتأكيد اللصوق على الامتنان بأن الخير لهم كثير ومكين . وقد كثر اقتران مفعول فعل الاستعجال بهذه الباء ولم ينبهوا عليه في مواقعه المتعددة . وسيجيء في النحل .
وقد جعل جواب ( لو ) قوله ( لقضى إليهم أجلهم ) وشأن جواب ( لو ) أن يكون في حيز الامتناع أي وذلك ممتنع لأن الله قدر لآجال انقراضهم ميقاتا معينا ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ) .
والقضاء : التقدير .
والأجل : المدة المعينة لبقاء قوم . والمعنى : لقضي إليهم حلول أجلهم . ولما ضمن ( قضي ) معنى بلغ ووصل عدي ب ( إلى ) . فهذا وجه تفسير الآية وسر نظمها ولا يلتفت إلى غيره في فهمها . وهذا المعنى مثل معنى ( قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم ) في سورة الأنعام .
وجملة ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) الخ مفرعة على جملة ( ولو يعجل الله للناس ) إلى آخرها .
وقرأ الجمهور ( لقضي ) بالبناء للنائب ورفع ( أجلهم ) على أنه نائب الفاعل . وقرأه ابن عامر ويعقوب بفتح القاف والضاد ونصب ( أجلهم ) على أن في ( قضى ) ضميرا عائدا إلى اسم الجلالة في قوله ( ولو يجعل الله للناس الشر ) الخ .
وجملة ( فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ) مفرعة على جملة ( لو ) وجوابها المفيدة انتفاء أن يعجل الله للناس الشر بانتفاء لازمه وهو بلوغ أجلهم إليهم أي فإذا انتفى التعجيل فنحن نذر الذين لا يرجون لقاءنا يعمهون أي نتركهم في مدة تأخير العذاب عنهم متلبسين بطغيانهم أي فرط تكبرهم وتعاظمهم .
والعمة : عدم البصر .
وإنما لم ينصب الفعل بعد الفاء لأن النصب يكون في جواب النفي المحض وأما النفي المستفاد من ( لو ) فحاصل بالتضمن ولان شأن جواب النفي أن يكون مسببا على المنفي لا على النفي والتفريع هنا على مستفاد من النفي . وأما المنفي فهو تعجيل الشر فهو لا يسبب أن يترك الكافرين يعمهون وبذلك تعرف أن قوله ( فنذر ) ليس معطوفا على كلام مقدر وإنما التقدير تقدير معنى لا تقدير إعراب أي فنترك المنكرين للبعث في ضلالهم استدراجا لهم .
وقوله ( في طغيانهم يعمهون ) تقدم نظيره في قوله ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) في سورة البقرة . والطغيان : الكفر .
والإتيان بالموصولية في تعريف الكافرين للدلالة على أن الطغيان أشده إنكارهم البعث ولأنه صار كالعلامة عليهم كما تقدم آنفا .
( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون )