لما قامت الحجة عليها بما لا قبل لهم بالتنصل منه أعقبت بالتفريع على افترائهم الكذب وذلك مما عرف من أحوالهم من اتخاذهم الشركاء له كما أشار إليه قوله ( ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ) أي أشركوا إلى قوله ( لننظر كيف تعملون ) وتكذيبهم بآيات الله في قولهم ( ائت بقرآن غير هذا أو بدله ) . وفي ذلك أيضا توجيه الكلام بصلاحيته لأن يكون إنصافا بينه وبينهم إذ هم قد عرضوا بنسبته إلى الافتراء على الله حين قالوا ( ائت بقرآن غير هذا ) وصرحوا بنفي أن يكون القرآن من عند الله فلما أقام الحجة عليهم بأن ذلك من عند الله وأنه ما يكون له أن يأتي به من تلقاء نفسه فرع عليه أن المفتري على الله كذبا والمكذبين بآياته كلاهما أظلم الناس لا أحد أظلم منهما وذلك من مجاراة الخصم ليعثر يخيل إليه من الكلام أنه إنصاف بينهما فإذا حصحص المعنى وجد انصبابه على الخصم وحده .
والتفريع صالح للمعنيين وهو تفريع على ما تقدم قبله مما تضمن أنهم أشركوا بالله وكذبوا بالقرآن .
ومحل ( أو ) على الوجهين هو التقسيم وهو إما تقسم أحوال وإما تقسم أنواع .
والاستفهام إنكاري . والظلم : هنا بمعنى الاعتداء . وإنما كان أحد الأمرين أشد الظلم لأنه اعتداء على الخالق بالكذب عليه وبتكذيب آياته .
وجملة ( إنه لا يفلح المجرمون ) تذييل وموقعه يقتضي شمول عمومه للمذكورين في الكلام المذيل " بفتح التحتية " فيقتضي أن أولئك مجرمون وأنهم لا يفلحون .
والفلاح تقدم في قوله تعالى ( وأولئك هم المفلحون ) في سورة البقرة .
A E وتأكيد الجملة بحرف التأكيد ناظر إلى شمول عموم المجرمين للمخاطبين لأنهم ينكرون أن يكونوا من المجرمين .
وافتتاح الجملة بضمير الشأن لقصد الاهتمام بمضمونها .
( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحنه وتعالى عما يشركون ) عطف على جملة ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) عطف القصة على القصة . فهذه قصة أخرى من قصص أحوال كفرهم أن قالوا ( ائت بقرآن غير هذا ) حين تتلى عليهم آيات القرآن ومن كفرهم أنهم يعبدون الأصنام ويقولون ( هم شفعاؤنا عند الله ) .
والمناسبة بين القصتين أن في كلتيهما كفرا أظهروه في صورة السخرية والاستهزاء وإيهام أن العذر لهم في الاسترسال على الكفر فلعلهم " كما أوهموا أنه إن أتاهم قرآن غير المتلوا عليهم أو بدل ما يرومون تبديله آمنوا " كانوا إذا أنذرهم النبي A بعذاب الله قالوا : تشفع لنا إلهتنا عند الله . وقد روى أنه قاله النضر بن الحارث " على معنى فرض ما لا يقع واقعا " " إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى " . وهذا كقول العاص بن وائل وكان مشركا لخباب بن الأرت وهو مسلم وقد تقاضاه أجرا له على سيف صنعه " إذا كان يوم القيامة الذي يخبر به صاحبك " يعني النبي A " فسيكون لي مال فأقضيك منه " .
" وفيه نزل قوله تعالى ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا ) الآية " .
ويجوز أن تكون جملة ( ويعبدون ) الخ عطفا على جملة ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) فإن عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الافتراء .
وإيثار اسم الموصول في قوله ( ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) لما تؤذن به صلة الموصول من التنبيه على أنهم مخطئون في عبادة ما لا يضر ولا ينفع وفيه تمهيد لعطف ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) لتحقير رأيهم من رجاء الشفاعة من تلك الأصنام فإنها لا تقدر على ضر ولا نفع في الدنيا فهي أضعف مقدرة في الآخرة .
واختيار صيغة المضارع في ( يعبدون ) و ( يقولون ) لاستحضار الحالة العجيبة من استمرارهم على عبادتها أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيبا من تصميمهم على ضلالهم ومن قولهم ( هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) فاعترفوا بأن المتصرف هو الله