و ( من ) في قوله تعالى ( فمن الله ) ابتدائية أي واصلة إليكم من الله أي من عطاء الله لأن النعمة لا تصدر عن ذات الله ولكن عن صفة قدرته أو عن صفة فعله عند مثبتي صفات الأفعال . ولما كان ( ما بكم من نعمة ) مفيدا للعموم كان الإخبار عنه بأنه من عند الله مغنيا عن الإتيان بصيغة قصر .
A E و ( ثم ) في قوله تعالى ( ثم إذا مسكم الضر ) للتراخي الرتبي كما هو شانها الغالب في عطفها الجمل لأن اللجأ إلى الله عند حصول الضر أعجب إخبارا من الإخبار بأن النعم كلها من الله ومضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من مضمون المعطوف عليها .
والمقصود : تقرير أن الله تعالى هو مدبر أسباب ما بهم من خير وشر وأنه لا إله يخلق إلا هو وإنهم لا يلتجئون إلا إليه إذا أصابهم ضر وهو ضد النعمة .
ومس الضر : حلوله . استعير المس للحصول الخفيف للإشارة إلى ضيق صبر الإنسان بحيث إنه يجأر إلى الله بحصول أدنى شيء من الضر له . وتقدم استعمال المس في الإصابة الخفيفة في قوله تعالى ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ) في سورة الأنعام .
و ( تجأرون ) تصرخون بالتضرع . والمصدر : الجؤار بصيغة أسماء الأصوات .
وأتبع هذه بنعمة أخرى وهي نعمة كاشف الضر عن الناس بقوله تعالى ( ثم إذا كشف الضر عنكم ) الآية .
و ( ثم ) للترتيب الرتبي كما هو شانها في عطف الجمل . وجيء بحرف ( ثم ) لأن مضمون الجملة المعطوفة أبعد في النظر من مضمون المعطوف عليها فإن الإعراض عن المنعم بكشف الضر وإشراك غيره به في العبادة أعجب حالا وأبعد حصولا من اللجأ إليه عند الشدة .
والمقصود تسجيل كفران المشركين وإظهار رأفة الله بالخلق بكشف الضر عنهم عند التجائهم إليه مع علمه بان من أولئك من يشرك به ويستمر على شركه بعد كشف الضر عنه .
و ( إذا ) الأولى مضمنة معنى الشرط وهي ظرف . و ( إذا ) الثانية فجائية . والإتيان بحرف المفاجأة للدلالة على إسراع هذا الفريق بالرجوع إلى الشرك وأنه لا يتريث إلى أن يبعد العهد بنعمة كشف الضر عنه بحيث يفجأون بالكفر دفعة دون أن يترقبه منهم مترقب فكان الفريق المعني في قوله تعالى ( إذا فريق منكم ) فريق المشركين .
( ليكفؤوا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون [ 55 ] ) لام التعليل متعلقة بفعل ( يشركون ) الذي هو من جواب قوله تعالى ( إذا كشف الضر عنكم ) . والكفر هنا كفر النعمة ولذلك علق به قوله تعالى ( بما آتيناهم ) أي من النعم . وكفر النعمة ليس هو الباعث على الإشراك فإن إشراكهم سابق على ذلك وقد استصحبوه عقب كشف الضر عنهم ولكن شبهت مقارنة عودهم إلى الشرك بعد كشف الضر عنهم بمقارنة العلة الباعثة على عمل لذلك العمل . ووجه الشبه مبادرتهم لكفر النعمة دون تريث .
فاستعير لهذه المقارنة لام التعليل وهي استعارة تبعية تمليحية تهكمية ومثلها كثير الوقوع في القرآن . وقد سمى كثير من النحاة هذه اللام لام العاقبة ومثالها عندهم قوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وقد بيناها في مواضع آخرها عند قوله تعالى ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ) في هذه السورة .
وضمير ( ليكفروا ) عائد إلى ( فريق ) باعتبار دلالته على جمع من الناس .
والإيتاء : الإعطاء . وهو مستعار للإنعام بالحالة النافعة لأن شان الإعطاء أن يكون تمكينا بالمأخوذ المحبوب .
وعبر بالموصول ( بما آتيناهم ) لما تؤذن به الصلة من كونه نعمة تفظيعا لكفرانهم بها لأن كفران النعمة قبيح عند جميع العقلاء .
وفرع عليه مخاطبتهم بأمرهم بالتمتع أمر إمهال وقلة اكتراث بهم وهو في معنى التخلية .
والتمتع : الانتفاع بالمتاع . والمتاع الشيء الذي ينتفع به انتفاعا محبوبا ويسر به . ويقال : تمتع بكذا واستمتع . وتقدم المتاع في ىخر سورة براءة .
والخطاب للفريق الذين يشركون بربهم على طريقة الالتفات . والأظهر أنه مقول لقول محذوف . لأنه جاء مفرعا على كلام خوطب به الناس كلهم كما تقدم فيكون المفرع من تمام ما تفرع عليه . وذلك ينافي الالتفات الذي يقتضي أن يكون مرجع الضمير إلى مرجع ما قبله .
والمعنى : فتقول تمتعوا بالنعم التي أنتم فيها إلى أمد