وجملة ( أيمسكه ) بدل اشتمال من جملة ( يتوارى ) لأنه يتوارى حياء من الناس فيبقى متواريا من قومه حتى تنسى قضيته . هو معنى قوله تعالى ( أيمسكه ) الخ أي يتوارى يتردد بين أحد هذين الأمرين بحيث يقول في نفسه : أأمسكه على هون أم أدسه في التراب . والمراد : التردد في جواب هذا الاستفهام .
والهون : الذل . وتقدم عند قوله تعالى ( فاليوم تجزون عذاب الهون ) في سورة الأنعام .
A E والدس : إخفاء الشيء بين أجزاء شيء آخر كالدفن . والمراد : الدفن في الأرض وهو الوأد . وكانوا يئدون بناتهم بعضهم يئد بحدثان الولادة وبعضهم يئد إذا يفعت الأنثى ومشت وتكلمت أي حين تظهر للناس لا يمكن إخفاؤها . وذلك من أفظع أعمال الجاهلية وكانوا متمالئين عليه ويحسبونه حقا للأب فلا ينكرها الجماعة على الفاعل .
ولذلك سماه الله حكما بقوله تعالى ( ألا ساء ما يحكمون ) . وأعلن ذمه بحرف ( ألا ) لأنه جور عظيم قد تمالأوا عليه وخولوه للناس ظلما للمخلوقات فأسند إلى ضمير الجماعة مع أن الكلام كان جاريا على فعل واحد غير معين قضاء لحق هذه النكتة .
( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم [ 60 ] ) هذه الجملة معترضة جوابا عن مقالتهم التي تضمنها قوله تعالى ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ) فإن ارتباطها بجملة ( ويجعلون لله البنات سبحانه ) كما تقدم فهي بمنزلة جملة ( سبحانه ) غير أن جملة ( سبحانه ) جواب بتنزيه الله عما نسبوه إليه وهذه جواب بتحقيرهم على ما يعاملون به البنات مع نسبتهم إلى الله هذا الصنف المحقر عندهم .
وقد جرى الجواب على استعمال العرب عندما يسمعون كلاما مكروها أو منكرا أن يقولوا للناطق به : بفيك الكثكث ويقولون : تربت يداك وتربت يمينك واخسأ .
وكذلك جاء قوله تعالى ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) شتما لهم .
والمثل : الحال العجيبة في الحسن والقبح وإضافة إلى السوء للبيان .
وعرفوا ب ( الذين لا يؤمنون بالآخرة ) لأنم اشتهروا بهذه الصلة بين المسلمين كقوله تعالى ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ) وقوله ( بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد ) .
وجملة ( ولله المثل الأعلى ) عطفت على جملة ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) لأن بها تكملة إفساد قولهم وذم رأيهم إذ نسبوا إلى الله الولد وهو من لوازم الاحتياج والعجز . ولما نسبوا إليه ذلك خصوه بأخس الصنفين عندهم كما قال تعالى ( ويجعلون لله ما يكرهون ) وإن لم يكن ذلك في الواقع ولكن هذا جرى على اعتقادهم ومؤاخذة لهم برأيهم .
و ( الأعلى ) تفضيل وحذف المفضل عليه لقصد العموم أي أعلى من كل مثل في العلو بقرينة المقام .
والسوء : " بفتح السين " مصدر ساءه إذا عمل معه ما يكره . والسوء " بضم السين " الاسم تقدم في قوله تعالى ( يسومونكم سوء العذاب ) في سورة البقرة .
والمثل تقدم تفصيل معانيه عند قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) في البقرة .
و ( العزيز الحكيم ) تقدم عند قوله تعالى ( فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) في سورة البقرة .
( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [ 61 ] ) هذا اعتراض في أثناء التوبيخ على كفرهم الذي من شرائعه وأد البنات . فأما وصف جعلهم لله البنات اللاتي يأنفون منها لأنفسهم ووصف ذلك بأنه حكم سوء ووصف حالهم بأنها مثل سوء وعرفهم بأخص عقائدهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة أتبع ذلك بالوعيد على أقوالهم وأفعالهم .
والظلم : الاعتداء على الحق . وأعظمه الاعتداء على حق الخالق على مخلوقاته وهو حق إفراده بالعبادة ولذلك كان الظلم في القرآن إذا لم يعد إلى مفعول نحو ( ظلموا أنفسهم ) مرادا منه أعظم الظلم وهو الشرك حتى صار ذلك حقيقة عرفية في مصطلح القرآن وهو المراد هنا من هذا الإنذار . وأما الظلم الذي هو دون الإشراك بالله فغير مراد هنا لأنه مراتب متفاوتة كما يأتي قريبا فلا يقتضي عقاب الاستئصال على عمومه