وبناء الجملة على المسند الفعلي لإفادة التخصيص أي الله لا غيره أنزل من السماء ماء . وذلك في معنى قوله تعالى ( هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ) . وإظهار اسم الجلالة دون الإضمار الذي هو مقتضى الظاهر لقصد التنويه بالخبر إذ افتتح بهذا السم ولأن دلالة الاسم العلم أوضح وأصرح . فهو مقتضى مقام تحقيق الانفراد بالخلق والإنعام دون غيره من شركائهم لأن المشركين يقرون بأن الله هو فاعل هذه الأشياء .
وإحياء الأرض : إخراج ما فيه الحياة وهو الكلأ والشجر . وموتها ضد ذلك فتعدية فعل ( أحيا ) إلى الأرض تعدية مجازية . وقد تقدم عند قوله تعالى ( فأحيا به الأرض بعد موتها ) في سورة البقرة وتقدم وجه العبرة في آية نزول المطر هنالك .
A E وجملة ( إن في ذلك لآية ) مستأنفة . والتأكيد ب ( إن ) ولام الابتداء لأن من لم يهتد بذلك إلى الوحدانية ينكرون أن القوم الذين يسمعون ذلك قد علموا دلالته على الوحدانية . أي ينكرون صلاحية ذلك للاستدلال .
والإتيان باسم الإشارة دون الضمير ليكون محل الآية جميع المذكورات من إنزال المطر وإحياء الأرض به وموتها من قبل الإحياء .
والكلام في ( قوم يسمعون ) كالكلام في قوله آنفا ( لقوم يؤمنون ) .
والسمع : هنا مستعمل في لازم معناه على سبيل الكناية وهو سماع التدبر والإنصاف لما تدبروا به . وهو تعريض بالمشركين الذين لم يفهموا دلالة ذلك على الوحدانية . ولذلك اختير وصف السمع هنا المراد منه الإنصاف والامتثال لأن دلالة المطر وحياة الأرض به معروفة مشهورة ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى ظاهرة لا يصد عنها إلا المكابرة .
( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين [ 66 ] ) هذه حجة أخرى ومنة من المنن الناشئة عن منافع خلق الأنعام أدمج في منتها العبرة بما في دلالتها على بديع صنع الله تبعا لقوله تعالى ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ) إلى قوله ( لرؤوف رحيم ) .
ومناسبة ذكر هذه النعمة هنا أن بألبان الأنعام حياة الإنسان كما تحيا الأرض بماء السماء وأن لآثار ماء السماء أثرا في تكوين ألبان الحيوان بالمرعى .
واختصت هذه العبرة بما تنبه إليه من بديع الصنع والحكمة في خلق الألبان بقوله ( مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا ) ثم بالتذكير بما في ذلك من النعمة على الناس إدماجا للعبرة بالمنة .
فجملة ( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) معطوفة على جملة ( إن في ذلك لآية لقوم يسمعون ) أي كما كان لقوم يسمعون عبرة في إنزال الماء من السماء لكم في الأنعام عبرة أيضا إذ قد كان المخاطبون وهم المؤمنون القوم الذين يسمعون .
وضمير الخطاب التفات من الغيبة . وتوكيدها ب ( إن ) ولام الابتداء كتأكيد الجملة قبلها .
والأنعام : اسم جمع لكل جماعة من أحد أصناف الإبل والبقر والضأن والمعز .
والعبرة : ما يتعظ به ويعتبر . وقد تقدم في نهاية سورة يوسف .
وجملة ( نسقيكم مما في بطونه ) واقعة موقع البيان لجملة ( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) .
والبطون : جمع بطن وهو اسم للجوف الحاوية للجهاز الهضمي كله من معدة وكبد وأمعاء .
و ( من ) في قوله تعالى ( مما في بطونه ) ابتدائية لأن اللبن يفرز عن العلف الذي في البطون . وما صدق ( ما في بطونه ) العلف . ويجوز جعلها تبعيضية ويكون ما صدق ( ما في بطونه ) هو اللبن اعتدادا بحالة مروره في داخل الأجهزة الهضمية قبل انحداره في الضرع .
و ( من ) في قوله تعالى ( من بين فرث ) زائدة لتوكيد التوسط أي يفرز في حالة بين حالتي الفرث والدم .
ووقع البيان ب ( نسقيكم ) دون أن يقال : تشربون أو نحوه إدماجا للمنة مع العبرة .
ووجه العبرة في ذلك أن ما تحتويه بطون الأنعام من العلف والمرعى بنقلب بالهضم في المعدة ثم الكبد ثم غدد الضرع مائعا يسقى وهو مفرز من بين إفراز فرث ودم .
والفرث : الفضلات التي تركها الهضم المعدي فتنحدر إلى الأمعاء فتصير فرثا . والدم : إفراز تفرزه الكبد من الغذاء المنحدر إليها ويصعد إلى القلب فتدفعه حركة القلب الميكانيئية إلى الشرايين والعروق ويبقى يدور كذلك بواسطة القلب . وقد تقدم ذكره عند قوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة والدم ) في سورة العقود