( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون [ 71 ] ) هذا من الاستدلال على أن التصرف القاهر لله تعالى . وذلك أنه أعقب الاستدلال بالإحياء والأمانة وما بينهما من هرم بالاستدلال بالرزق .
ولما كان الرزق حاصلا لكل موجود بني الاستدلال على التفاوت فيه بخلاف الاستدلال بقوله تعالى ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) .
ووجه الاستدلال به على التصرف القاهر أن الرزق حاصل لجميع الخلق وأن تفاضل الناس فيه غير جار على رغباتهم ولا على استحقاقهم ؛ فقد تجد أكيس الناس وأجودهم عقلا وفهما مقترا عليه في الرزق وبضده ترى أجهل الناس وأقلهم تدبيرا موسعا عليه في الرزق وكلا الرجلين قد حصل به ما حصل قهرا عليه فالمقتر عليه لا يدري أسباب التقتير والموسع عليه لا يدري أسباب تيسير رزقه . وذلك لأن الأسباب كثيرة متوالدة ومتسلسلة ومتوغلة في الخفاء حتى يظن أن أسباب الأمرين مفقودة وما هي بمفقودة ولكنها غير محاط بها . ومما ينسب إلى الشافعي : .
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق A E ولذلك أسند التفضيل في الرزق إلى الله تعالى لأن أسبابه خارجة عن إحاطة عقول البشر والحكيم لا يستفزه ذلك بعكس قول ابن الراوندي : .
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا وهذا الحكم دل على ضعف قائله في حقيقة العلم فكيف بالتحريرية وتفيد وراء الاستدلال معنى الامتنان لاقتضائها حصول الرزق للجميع .
فجملة ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) مقدمة للدليل ومنة من الممن لأن التفضيل في الرزق يقتضي الإنعام بأصل الرزق .
وليست الجملة مناط الاستدلال . إنما الاستدلال في التمثيل من قوله تعالى ( فما الذين فضلوا برادي رزقهم ) الآية .
والقول في جعل المسند إليه اسم الجلالة وبناء المسند الفعلي عليه كالقول في قوله تعالى ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ) . والمعنى : الله لا غيره رزقكم جميعا وفضل بعضكم على بعض في الرزق ولا يسعكم إلا الإقرار بذلك له .
وقد تم الاستدلال عند قوله تعالى ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق ) بطريقة الإيجاز كما قيل : لمحة دالة .
وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قوله تعالى ( فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء ) . وهو إدماج جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال أهل الشرك حين سووا بعض المخلوقات بالخالق فأشركوها في الإلهية فسادا في تفكيرهم . وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية الحج ( لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ) . فمثل بطلان عقيدة الإشراك بالله بعض مخلوقاته بحالة أهل النعمة المرزوقين لأنهم لا يرضون أن يشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم فكيف يسوون بالله عبيده في صفته العظمى وهي الإلهية .
ورشاقة هذا الاستدلال أن الحالتين المشبهتين والمشبه بهما حالتا مولى وعبد كما قال تعالى ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فانتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ) .
والغرض من التمثيل تشنيع مقالتهم واستحالة صدقها بحسب العرف ثم زيادة التشنيع بأنهم رضوا لله ما يرضونه لأنفسهم كقوله تعالى ( ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ) إلى قوله ( ولله المثل الأعلى ) .
وقرينة التمثيل والمقصد منه دلالة المقام .
وقوله تعالى ( فما الذين فضلوا ) نفي . و ( ما ) نافية . والباء في ( برادي رزقهم ) الباء التي تزاد في خبر النفي ب ( ما ) و ( ليس ) .
والراد : المعطي . كما في قول النبي A والخمس مردود عليكم أي فما هم بمعطين رزقهم لعبيدهم إعطاء مشاطرة بحيث يسوونهم بهم أي فما ذلك بواقع .
وإسناد الملك إلى اليمين مجاز عقلي لأن اليمين سبب وهمي للملك لأن سبب الملك إما أسر وهو أثر للقتال بالسيف الذي تمسكه اليد اليمنى وإما شراء ودفع الثمن يكون باليد اليمنى عرفا فهي سبب وهمي ناشئ عن العادة