وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكر الزاني والزانية تنبيها على الاعتناء بإقامة الحد . والنهي عن أن تأخذهم رأفة كناية عن النهي عن أثر ذلك وهو ترك الحد أو نقصه . وأما الرأفة فتقع في النفس بدون اختيار فلا يتعلق بها النهي ؛ فعلى المسلم أن يروض نفسه على دفع الرأفة في المواضع المذمومة فيها الرأفة .
والرأفة : رحمة خاصة تنشأ عند مشاهدة ضر بالمرؤوف . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) في سورة البقرة . ويجوز سكون الهمزة وبذلك قرأ الجمهور . ويجوز فتحها وبالفتح قرأ ابن كثير .
وعلق بالرأفة قوله ( في دين الله ) لإفادة أنها رأفة غير محمودة لأنها تعطل دين الله أي أحكامه وإنما شرع الله الحد استصلاحا فكانت الرأفة في إقامته فسادا . وفيه تعريض بأن الله الذي شرع الحد هو أرأف بعباده من بعضهم ببعض . وفي مسند أبي يعلى عن حذيفة مرفوعا : " يؤتى بالذي ضرب فوق الحد فيقول الله له : عبدي لم ضربت فوق الحد ؟ فيقول : غضبت لك . فيقول الله : أكان غضبك أشد من غضبي ؟ ويؤتى بالذي قصر فيقول : عبدي لم قصرت ؟ فيقول رحمته . فيقول : أكانت رحمتك أشد من رحمتي . ويؤمر بهما إلى النار " وجملة ( إن كنتم تؤمنون بالله ) شرط محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم مؤمنين فلا تأخذكم بهما رأفة أي لا تؤثر فيكم رأفة بهما . والمقصود : شدة التحذير من أن يتأثروا بالرأفة بهما بحيث يفرض أنهم لا يؤمنون . وهذا صادر مصدر التلهيب والتهييج حتى يقول السامع : كيف لا أومن بالله واليوم الآخر .
وعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله للتذكير بأن الرأفة بهما في تعطيل الحد أو نقصه نسيان لليوم الآخر فإن تلك الرأفة تفضي بهما إلى أن يؤخذ منهما العقاب يوم القيامة فهي رأفة ضارة كرأفة ترك الدواء للمريض فإن الحدود جوابر على ما تؤذن به أدلة الشريعة .
( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [ 2 ] ) أمر أن تحضر جماعة من المسلمين إقامة حد الزنا تحقيقا لإقامة الحد وحذرا من التساهل فيه فإن الإخفاء ذريعة للإنساء فإذا لم يشهده المؤمنين فقد يتساءلوا عن عدم إقامته فإذا تبين لهم إهماله فلا يعدم بينهم من يقوم بتغيير المنكر من تعطيل الحدود .
وفيه فائدة أخرى وهي أن من مقاصد الحدود مع عقوبة الجاني أن يرتدع غيره وبحضور طائفة من المؤمنين يتعظ به الحاضرون ويزدجرون ويشيع الحديث فيه بنقل الحاضر إلى الغائب .
والطائفة : الجماعة من الناس . وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى ( فلتقم طائفة منهم معك ) في سورة النساء وعند قوله ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) في آخر الأنعام . وقد اختلف في ضبط عددها هنا . والظاهر أنه عدد تحصل بخبره الاستفاضة وهو يختلف باختلاف الأمكنة . والمشهور عن مالك الاثنان فصاعدا وقال ابن أبي زيد : أربعة اعتبارا بشهادة الزنا . وقيل عشرة .
وظاهر الأمر يقتضي وجوب حضور طائفة للحد . وحمله الحنفية على الندب وكذلك الشافعية ولم أقف على تصريح بحكمه في المذهب المالكي . ويظهر من إطلاق المفسرين وأصحاب الأحكام من المالكية ومن اختلافهم في أقل ما يجزئ من عدد الطائفة أنه يحمل على الوجوب إذ هو محمل الأمر عند مالك . وأيا ما كان حكمه فهو في الكفاية ولا يطالب به من له بالمحدود مزيد صلة يحزنه أن يشاهد إقامة الحد عليه .
( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [ 3 ] ) هذه الآية نزلت مستقلة بأولها ونهايتها كما يأتي قريبا في ذكر سبب نزوله أن سواء كان نزولها قبل الآيات التي افتتحت بها السورة أم كان نزولها بعد تلك الآيات . فهذه الجملة ابتدائية ومناسبة موقعها بعد الجملة التي قبلها واضحة .
وقد أعضل معناها فتطلب المفسرون وجوها من التأويل وبعض الوجوه ينحل إلى متعدد .
A E