والحفيظ : فعيل بمعنى فاعل أي حافظ وتختلف معانيه ومرجعها إلى رعاية الشيء والعناية به : ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال المرقوب وأعماله وباختلاف معانيه تختلف تعديته بنفسه أو بحرف جر يناسب المعنى وقد عدي هنا بحرف ( على ) كما يعدى الوكيل لأنه بمعناه .
والوكيل فعيل بمعنى مفعول وهو الموكول إليه عمل في شيء أو اقتضاء حق . يقال : وكله على كذا ومنه الوكالة في التصرفات المالية والمخاصمة ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال الموكل عليه وأعماله . وقد استعمل ( حفيظ ) و ( وكيل ) هنا في استعمالهما الكنائي عن متقارب المعنى فلذلك قد يفسر أهل اللغة أحد هذين اللفظين بما يقرب من تفسير اللفظ الآخر كتفسير المرادف بمرادفه وذلك تسامح .
A E فعلى من يريد التفرقة بين اللفظين أن يرجع بهما إلى أصل مادتي ( حفظ ) و ( وكل ) فمادة ( حفظ ) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى مفعول ومادة ( وكل ) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى مفعول وتجاوزه من ذلك المفعول إلى شيء آخر وهو متعلق به وبذلك كان فعل ( حفظ ) مفيدا بمجرد ذكر فاعله ومفعوله دون احتياج إلى متعلق آخر بخلاف فعل ( وكل ) فإفادته متوقفة على ذكر أو على تقدير ما يدل على شيء آخر زائد على المفعول ومن علائقه فلذلك أوثر وصف ( حفيظ ) هنا بالإسناد إلى اسم الجلالة لأن الله جل عن أن يكلفه غيره حفظ شيء فهو فاعل الحفظ وأوثر وصف ( وكيل ) بالإسناد إلى ضمير النبي A لأن المقصود أن الله لم يكلفه بأكثر من التبليغ والمعنى : الله رقيب عليهم لا أنت وما أنت بموكل من الله على جبرهم على الإيمان . وفي معناه قوله في آخر هذه السورة ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) .
وأيضا هي كالبيان لما في جملة ( يكاد السماوات يتفطرن ) لأن من أسباب مقاربة تفطرهن كثرة ما فيهن من الملائكة .
ولولا أنها أريد منها زيادة تقرير معنى جملة ( وهو العلي العظيم ) لكانت جديرة بأن تفصل ولكن رجح العطف لأجل الاهتمام بتقرير العلو والعظمة لله تعالى . وأما التبيين فيحصل بمجرد تعقيب جملة ( يكاد السماوات يتفطرن ) بها كما علمته آنفا .
فقوله ( الملائكة ) مبتدأ وجملة ( يسبحون ) خبر والمقصود الإعلام بجلال الله .
وتسبيح الملائكة بحمد الله : خضوع لعظمته وعلوه والتسبيح التنزيه عن النقائص .
فتسبيح الملائكة قد يكون عبارة عن إدراكهم عظمة الله تعالى فهو : انفعال روحاني كقوله تعالى ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ) وقد يكون دلالة على التنزيه بما يناسب الملائكة من ظواهر الانفعال بالطاعة أو من كلام مناسب للحالة الملكية وكذلك حمدهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض .
ومفعول ( يسبحون ) محذوف دل عليه مصاحبته ( بحمد ربهم ) تقديره : يسبحون ربهم والباء للمصاحبة أي يسبحون تسبيحا مصاحبا لحمدهم ربهم أي الثناء عليه بصفاته الكمالية ومن الثناء ما هو شكر على نعمه عليهم وعلى غيرهم فالمعنى : يسبحون الله ويحمدونه .
وهذا تعريض بالمشركين إذ أعرضوا عن تسبيح ربهم وحمده وشغلوا بتحميد الأصنام التي لا نعمة لها عليهم ولا تنفعهم ولا تضرهم .
وتقديم التسبيح على الحمد إشارة إلى أن تنزيه الله عما لا يليق به أهم من إثبات صفة الكمال له لأن التنزيه تمهيد لإدراك كمالاته تعالى . ولذلك كانت الصفات المعبر عنها بصفات السلوب مقدمة في ترتيب علم الكلام على صفات المعاني ( عندنا ) والصفات المعنوية