وقوله ( ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ) مراد منه أنه لا عدل فيقبل ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته لأن دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن الله له . قال ابن عرفة فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله " على لا حب لا يهتدي بمناره " يريد أنها كناية عن نفي الموصوف بنفي صفته الملازمة له كقولهم " ولا ترى الضب بها ينجحر " . وهو ما يعبر عنه المناطقة بأن السالبة تصدق مع نفي الموضوع وإنما يكون ذلك بطريق الكناية وأما أن يكون استعمالا في أصل العربية فلا والمناطقة تبعوا فيه أساليب اليونان .
والقول في بقية الآيات مستغنى عنه بما تقدم في نظيرتها .
وهنا ختم الحجاج مع أهل الكتاب في هذه السورة وذلك من براعة المقطع .
( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) لما كملت الحجج نهوضا على أهل الكتابين ومشركي العرب في عميق ضلالهم بإعراضهم عن الإسلام وتبين سوء نواياهم التي حالت دون الاهتداء بهديه والانتفاع بفضله وسجل ذلك على زعماء المعاندين أعني اليهود ابتداء بقوله ( يا بني إسرائيل ) مرتين وأدمج معهم النصارى استطرادا مقصودا ثم أنصف المنصفون منهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته انتقل إلى توجيه التوبيخ والتذكير إلى العرب الذين يزعمون أنهم أفضل ذرية إبراهيم وأنهم يتعلقون بملته وأنهم زرع إسماعيل وسدنة البيت الذي بناه وكانوا قد وخزوا بجانب من التعريض في خلال المحاورات التي جرت مع أهل الكتاب للصفة التي جمعتهم وإياهم من حسد النبي والمسلمين على ما أنزل عليهم من خير ومن قولهم ليس المسلمون على شيء ومن قولهم اتخذ الله ولدا ومن قولهم لولا يكلمنا الله . فلما أخذ اليهود والنصارى حظهم من الإنذار والموعظة كاملا فيما اختصوا به وأخذوا مع المشركين حظهم من ذلك فيما اشتركوا فيه تهيأ المقام للتوجه إلى مشركي العرب لإعطائهم حظهم من الموعظة كاملا فيما اختصوا به فمناسبة ذكر فضائل إبراهيم ومنزلته عند ربه ودعوته لعقبه عقب ذكر أحوال بني إسرائيل هي الاتحاد في المقصد فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم والتخويف تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية .
والمقصود من ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعا له لأن العرب أشد اختصاصا بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه ومنتمين قديما للحنيفية ولم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية بخلاف أهل الكتابين .
فحقيق أن نجعل قوله ( وإذ ابتلى ) عطفا على قوله تعالى ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) كما دل عليه افتتاحه بإذ على نحو افتتاح ذكر خلق آدم بقوله ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) فإن الأول تذكير بنعمة الخلق الأول وقد وقع عقب التعجب من كفر المشركين بالخالق في قوله ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ) ثم عقبت تلك التذكرة بإنذار من يكفر بآيات الله من ذرية آدم بقوله ( فإما يأتينكم مني هدى ) الآية ثم خص من بين ذرية آدم بنو إسرائيل الذين عهد إليهم على لسان موسى عهد الإيمان وتصديق الرسول الذي يجيء مصدقا لما معهم لأنهم صاروا بمنزلة الشهداء على ذرية آدم . فتهيأ المقام لتذكير الفريقين بأبيهم الأقرب وهو إبراهيم أي وجه يكون المقصود بالخطاب فيه ابتداء العرب ويضم الفريق الآخر معهم في قرن ولذلك كان معظم الثناء على إبراهيم بذكر بناء البيت الحرام وما تبعه إلى أن ذكرت القبلة وسط ذلك ثم طوى بالانتقال إلى ذكر سلف بني إسرائيل بقوله ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ) ليفضي إلى قوله ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) فيرجع إلى تفضيل الحنيفية والإعلام بأنها أصل الإسلام وأن المشركين ليسوا في شيء منها وكذلك اليهود والنصارى . وقد افتتح ذكر هذين الطورين بفضل ذكر فضل الأبوين آدم وإبراهيم فجاء الخبران على أسلوب واحد على أبدع وجه وأحكم نظم . فتعين أن تقدير الكلام واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات .
A E