وحق رأي أن يتعدى إلى مفعول واحد لأن أصله هو الرؤية البصرية ثم استعمل مجازا في العلم بجعل العلم اليقيني شبيها برؤية البصر فإذا دخل عليه همز التعدية تعدى إلى مفعولين وأما تعدية أرى إلى ثلاثة مفاعيل فهو خلاف الأصل وهو استعمال خاص وذلك إذا أراد المتكلم الإخبار عن معرفة صفة من صفات ذات فيذكر اسم الذات أولا ويعلم أن ذلك لا يفيد مراده فيكمله بذكر حال لازمة إتماما للفائدة فيقول رأيت الهلال طالعا مثلا ثم يقول أراني فلان الهلال طالعا وكذلك فعل علم وأخواته من باب ظن كله ومثله باب كان وأخواتها ألا ترى أنك لو عدلت عن المفعول الثاني في باب ظن أو عن الخبر في باب كان إلى الإتيان بمصدر في موضع الاسم في أفعال هذين البابين لاستغنيت عن الخبر والمفعول الثاني فتقول كان حضور فلان أي حصل وعلمت مجيء صاحبك وظننت طلوع الشمس وقد روي قول الفند الزماني : .
عسى أن يرجع الأيا ... م قوما كالذي كانوا وقال حطائط بن يعفر : .
أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا فإن جملة مات هزلا ليست خبرا عن جوادا إذ المبتدأ لا يكون نكرة وبهذا يتبين أن الصواب أن يعد الخبر في باب كان والمفعول الثاني في باب ظن أحوالا لازمة لتمام الفائدة وأن إطلاق اسم الخبر أو المفعول على ذلك المنصوب تسامح وعبارة قديمة .
وقرأ ابن كثير ويعقوب ( وأرنا ) بسكون الراء للتخفيف وقرأه أبو عمرو باختلاس كسرة الراء تخفيفا أيضا وجملة ( إنك أنت التواب الرحيم ) تعليل لجمل الدعاء .
والمناسك جمع منسك وهو اسم مكان من نسك نسكا من باب نصر أي تعبد أو من نسك بضم السين نساكة بمعنى ذبح تقربا والأظهر هو الأول لأنه الذي يحق طلب التوفيق له وسيأتي في قوله تعالى ( فإذا قضيتم مناسككم ) .
( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم [ 129 ] ) كرر النداء لأنه عطف غرض آخر في هذا الدعاء وهو غرض الدعاء بمجيء الرسالة في ذريته لتشريفهم وحرصا على تمام هديهم .
وإنما قال ( فيهم ) ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولا إليهم فقط ولذلك حذف متعلق رسولا ليعم فالنداء في قوله ( ربنا وابعث ) اعتراض بين جمل الدعوات المتعاطفة ومظهر هذه الدعوة هو محمد A فإنه الرسول الذي هو من ذرية إبراهيم وإسماعيل كليهما وأما غيره من رسل غير العرب فليسوا من ذرية إسماعيل وشعيب من ذرية إبراهيم وليس من ذرية إسماعيل وهود وصالح هما من العرب العاربة فليسا من ذرية إبراهيم ولا من ذرية إسماعيل .
وجاء في التوراة " في الإصحاح 17 من التكوين " " ظهر الرب لإبرام " أي إبراهيم " وقال له أنا الله القدير سر أمامي وكن كاملا فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدا وفي فقرة 20 وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا " .
وذكر عبد الحق الإسلامي السبتي الذي كان يهوديا فأسلم هو وأولاده وأهله في سبتة وكان موجودا بها سنة 736 ست وثلاثين وسبعمائة في كتاب له سماه الحسام المحدود في الرد على اليهود : أن كلمة كثيرا جدا أصلها في النص العبراني " مادا مادا " وأنها رمز في التوراة لاسم محمد بحساب الجمل لأن عدد حروف " مادا مادا " بحساب الجمل عند اليهود تجمع عدد اثنين وتسعين وهو عدد حروف محمد اه وتبعه على هذا البقاعي في نظم الدرر .
ومعنى يتلو عليهم آياتك يقرؤها عليهم قراءة تذكير وفي هذا إيماء إلى أنه يأتيهم بكتاب فيه شرع .
فالآيات جمع آية وهي الجملة من جمل القرآن سميت آية لدلالتها على صدق الرسول بمجموع ما فيها من دلالة صدور مثلها من أمي لا يقرأ ولا يكتب وما نسجت عليه من نظم أعجز الناس عن الإتيان بمثله ولما اشتملت عليه من الدلالة القاطعة على توحيد الله وكمال صفاته دلالة لم تترك مسلكا للضلال في عقائد الأمة بحيث أمنت هذه الأمة من الإشراك قال النبىء A في خطبة حجة الوداع " إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا " .
وجيء بالمضارع في قوله ( يتلو ) للإشارة إلى أن هذا الكتاب تتكرر تلاوته .
A E