وقد دلت تلك الجمل على اختيار الله إياه فلا جرم أعقبت بعطف هذه الجملة عليها لأنها جامعة لفذلكتها وزائدة بذكر أنه سيكون في الآخرة من الصالحين . واللام جواب قسم محذوف وفي ذلك اهتمام بتقرير اصطفائه وصلاحه في الآخرة .
ولأجل الاهتمام بهذا الخبر الأخير أكد بقوله ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) فقوله ( وإنه في الآخرة ) إلى آخره اعتراض بين جملة اصطفيناه وبين الظرف وهو قوله ( إذ قال له ربه أسلم ) إذ هو ظرف لاصطفيناه وما عطف عليه قصد من هذه الظرفية التخلص إلى منقبة أخرى لأن ذلك الوقت هو دليل اصطفائه حيث خاطبه الله بوحي وأمره بما تضمنه قوله ( أسلم ) من معان جماعها التوحيد والبراءة من الحول والقوة وإخلاص الطاعة وهو أيضا وقت ظهور أن الله أراد إصلاح حاله في الآخرة إذ كل ميسر لما خلق له .
وقد فهم أن مفعول أسلم ومتعلقه محذوفان يعلمان من المقام أي أسلم نفسك لي كما دل عليه الجواب بقوله ( أسلمت لرب العالمين ) وشاع الاستغناء عن مفعول أسلم فنزل الفعل منزلة اللازم يقال أسلم أي دان بالإسلام كما أنبأ به قوله تعالى ( ولكن كان حنيفا مسلما ) كما سيأتي قريبا .
وقوله ( قال أسلمت ) فصلت الجملة على طريقة حكاية المحاورات كما قدمناه في ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) .
وقوله ( قال أسلمت ) مشعر بأنه بادر بالفور دون تريث كما اقتضاه وقوعه جوابا قال ابن عرفة إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون قد أتى بالإسلام وبدليله اه .
يعني أن إبراهيم كان قد علم أن لهذا العالم خالقا عالما حصل له بإلهام من الله فلما أوحى الله إليه بالإيمان صادف ذلك عقلا رشدا .
( وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [ 132 ] ) لما كان من شأن أهل الحق والحكمة أن يكونوا حريصين على صلاح أنفسهم وصلاح أمتهم كان من مكملات ذلك أن يحرصوا على دوام الحق في الناس متبعا مشهورا فكان من سننهم التوصية لمن يظنونهم خلفا عنهم في الناس بأن لا يحيدوا عن طريق الحق ولا يفرطوا فيما حصل لهم منه فإن حصوله بمجاهدة نفوس ومرور أزمان فكان لذلك أمرا نفيسا يجدر أن يحتفظ به .
والإيصاء أمر أو نهي يتعلق بصلاح المخاطب خصوصا أو عموما وفي فوته ضر فالوصية أبلغ من مطلق أمر ونهي فلا تطلق إلا في حيث يخاف الفوات إما بالنسبة للموصي ولذلك كثر الإيصاء عند توقع الموت كما سيأتي عند قوله تعالى ( أم كنتم شهداء إذا حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ) وفي حديث العرباض " وعظنا رسول الله موعظة منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يارسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا " الحديث وإما بالنسبة إلى الموص كالوصية عند السفر في حديث معاذ حين بعثه رسول الله A لليمن " كان آخر ما أوصاني رسول الله حين وضعت رجلي في الغرز أن قال حسن خلقك للناس " وجاء رجل إلى النبيء A فقال له أوصني قال ( لا تغضب ) .
فوصية إبراهيم ويعقوب إما عند الموت كما تشعر به الآية الآتية ( إذ حضر يعقوب الموت ) وإما في مظان خشية الفوات .
والضمير المجرور بالباء عائد على الملة أو على الكلمة أي قوله ( أسلمت لرب العالمين ) فإن كان بالملة فالمعنى أنه أوصى أن يلازموا ما كانوا عليه معه في حياته وإن كان الثاني فالمعنى أنه أوصى بهذا الكلام الذي هو شعار جامع لمعاني ما في الملة .
A E