وقد قيل في معنى حجة الناس معان أخر أراها بعيدة .
A E والحجة في كلام العرب ما يقصد به إثبات المخالف بحيث لا يجد منه تفصيا ولذلك يقال للذي غلب مخالفه بحجته قد حجه وأما الاحتجاج فهو إتيان المحتج بما يظنه حجة ولو مغالطة يقال احتج ويقال حاج إذا أتى بما يظنه حجة قال تعالى ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ) فالحجة لا تطلق حقيقة إلا على البرهان والدليل الناهض المبكت للمخالف وأما إطلاقها على الشبهة فمجاز لأنها تورد في صورة الحجة ومنه قوله تعالى ( حجتهم داحضة عند ربهم ) وهذا هو فقه اللغة كما أشار إليه الكشاف وأما ما خالفه من كلام بعض أهل اللغة فهو من تخليط الإطلاق الحقيقي والمجازي وإنما أرادوا التفصى من ورود الاستثناء وأشكل عليهم الاستثناء لأن المستثنى محكوم عليه بنقيض حكم المستثنى منه عند قاطبة أهل اللسان والعلماء إلا خلافا لا يلتفت إليه في علم الأصول فصار هذا الاستثناء مقتضيا أن الذين ظلموا لهم عليكم حجة فأجاب صاحب الكشاف بأنه إنما أطلق عليه حجة لمشابهته للحجة في سياقهم إياه مساق البرهان أي فاستثناء الذين ظلموا يقتضي أنهم يأتون بحجة أي بما يشبه الحجة فحرف إلا يقتضي تقدير لفظ حجة مستعملا في معناه المجازي وإطلاق اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي ليس ببدع لا سيما مع الإتيان بلفظ يخالف الأول على أنه قد يجعل الاستثناء منقطعا بمعنى لكن الذين ظلموا يشغبون عليكم فلا تخشوهم .
وجملة ( ولأتم نعمتي ) تعليل ثان لقوله ( فولوا وجوهكم شطره ) معطوف على قوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) بذلك الاعتبار الذي بيناه آنفا وهو أنه تعليل الامتثال فالمعنى أمرتكم بذلك لأتم نعمتي عليكم باستيفاء أسباب ذلك الإتمام ومنها أن تكون قبلتكم إلى أفضل بيت بنى لله تعالى ومعلوم أن تمام النعمة بامتثال ما امرنا به وجماع ذلك الاستقامة وبها دخول الجنة . أي غاية إتمام النعمة علينا دخول الجنة ولم يكن ذلك في تفسير هذه الآية ولكنه من جملة معناها فالمراد بالإتمام هنا إعطاء الشيء وافرا من أول الأمر لا إتمامه بعد أن كان ناقصا فهو قريب من قوله تعالى ( فأتمهن ) أي امتثلهن امتثالا تاما وليس المراد أنه فعل بعضها ثم فعل بعضا آخر فمعنى الآية ولتكون نعمتي نعمة وافرة في كل حال .
وقوله ( ولعلكم تهتدون ) عطف على ( ولأتم ) أي أمرتكم بذلك رجاء امتثالكم فيحصل الاهتداء منكم إلى الحق .
وحرف لعل في قوله ( ولعلكم تهتدون ) مجاز في لازم معنى الرجاء وهو قرب ذلك وتوقعه . ومعنى جعل ذلك لقرب علة أن استقبالهم الكعبة مؤذن بأنهم يكونون معتدين في سائر أمورهم لأن المبادئ تدل على الغايات فهو كقوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) كما قدمناه وقال حبيب : .
إن الهلال إذا رأيت نماءه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون [ 151 ] ) تشبيه للعلتين من قوله ( ولأتم ) وقوله ( ولعلكم تهتدون ) أي ذلك من نعمتي عليكم كنعمة إرسال محمد A وجعل الإرسال مشبها به لأنه أسبق وأظهر تحقيقا للمشبه أي أن المبادئ دلت على الغايات وهذا كقوله في الحديث كما صليت على إبراهيم ونكر رسول للتعظيم ولتجرى عليه الصفات التي كل واحدة منها نعمة خاصة فالخطاب في قوله ( فيكم ) وما بعده للمؤمنين من المهاجرين والأنصار تذكيرا لهم بنعمة الله عليهم بأن بعث إليهم رسولا بين ظهرانيهم ومن قومهم لأن ذلك أقوى تيسيرا لهدايتهم ؛ وهذا على نحو دعوة إبراهيم ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) وقد امتن الله على عموم المؤمنين من العرب وغيرهم بقوله ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) أي جنسهم الإنساني لأن ذلك آنس لهم مما لو كان رسولهم من الملائكة قال تعالى ( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) .
A E