الفاء للتفريع عاطفة جملة الأمر بذكر الله وشكره على جمل النعم المتقدمة أي إذ قد أنعمت عليكم بهاته النعم فأنا آمركم بذكرى وقوله فاذكروني أذكركم ) فعلان مشتقان من الذكر بكسر الذال ومن الذكر بضمها والكل مأمور به لأننا مأمورون بتذكر الله تعالى عند الإقدام على الأفعال لنذكر أوامره ونواهيه قال تعالى ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ) وعن عمر بن الخطاب أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه ومأمورون بذكر اسم الله تعالى بألسنتنا في جمل تدل على حمده وتقديسه والدعوة إلى طاعته ونحو ذلك وفي الحديث القدسي ( وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ) والذكر في قوله ( أذكركم ) يجيء على المعنيين ولا بد من تقدير في قوله ( اذكروني ) على الوجهين لأن الذكر لا يتعلق بذات الله تعالى فالتقدير اذكروا عظمتي وصفاتي وثنائي وما ترتب عليها من الأمر والنهي أو اذكروا نعمي ومحامدي وهو تقدير من دلالة الاقتضاء وأما أذكركم فهو مجاز أي أعاملكم معاملة من ليس بمفعول عنه بزيادة النعم والنصر والعناية في الدنيا وبالثواب ورفع الدرجات في الآخرة أو أخلق ما يفهم منه الناس في الملأ الأعلى وفي الأرض فضلكم والرضى عنكم نحو قوله ( كنتم خير أمة ) وحسن مصيركم في الآخرة لأن الذكر بمعنييه الحقيقيين مستحيل على الله تعالى . ثم إن تعديته للمفعول أيضا على طريق دلالة الاقتضاء إذ ليس المراد تذكر الذوات ولا ذكر أسمائها بل المراد تذكر ما ينفعهم إذا وصل إليهم وذكر فضائلهم .
وقوله ( واشكروا لي ) أمر بالشكر الأعم من الذكر من وجه أو مطلقا وتعديته للمفعول باللام هو الأفصح وتسمى اللام لام التبليغ ولام التبيين كما قالوا نصح له ونصحه كقوله تعالى ( فتعسا لهم ) وقول النابغة : .
شكرت لك النعمى وأثنيت جاهدا ... وعطلت أعراض العبيد بن عامر وقوله ( ولا تكفرون ) نهى عن الكفران للنعمة والكفران مراتب أعلاها جحد النعمة وإنكارها ثم قصد إخفائها ثم السكوت عن شكرها غفلة وهذا أضعف المراتب وقد يعرض عن غير سوء قصد لكنه تقصير .
قال ابن عرفه ( ليس عطف قوله ( ولا تكفرون ) بدليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده وذلك لأن الأمر بالشكر مطلق " أي لأن الأمر لا يدل على التكرار فلا عموم له " فيصدق بشكره يوما واحدا فلما قال ولا تكفرون أفاد النهى عن الكفر دائما اه يريد لأن الفعل في سياق النهى يعم مثل الفعل في سياق النفي لأن النهى أخو النفي .
( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين [ 153 ] ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون [ 154 ] ) هذه جمل معترضة بين قوله تعالى ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) وما اتصل به من تعليله بقوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) وما عطف عليه من قوله ( ولأتم نعمتي عليكم ) إلى قوله ( واشكروا لي ولا تكفرون ) وبين قوله ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) لأن ذلك وقع تكملة لدفع المطاعن في شان تحويل القبلة فله أشد اتصال بقوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) المتصل بقوله ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) .
وهو اعتراض مطنب ابتدئ به إعداد المسلمين لما هم أهله من نصر دين الله شكرا له على ما خولهم من النعم المعدودة في الآيات السالفة من جعلهم أمة وسطا وشهداء على الناس وتفضيلهم بالتوجه إلى استقبال أفضل بقعة وتأييدهم بأنهم على الحق في ذلك وأمرهم بالاستخفاف بالظالمين وأن لا يخشوهم وتبشيرهم بأنه أتم نعمته عليهم وهداهم وامتن عليهم بأنه أرسل فيهم رسولا منهم وهداهم إلى الامتثال للأحكام العظيمة كالشكر والذكر فإن الشكر والذكر بهما تهيئة النفوس إلى عظيم الأعمال من أجل ذلك كله أمرهم هنا بالصبر والصلاة ونبههم إلى أنهما عون للنفس على عظيم الأعمال فناسب تعقيبها بها وأيضا فإن ما ذكر من قوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) مشعر بان أناسا متصدون لشغبهم وتشكيكهم والكيد لهم فأمروا بالاستعانة عليهم بالصبر والصلاة .
A E