موقع هاته الآية عقب سابقتها موقع الحجة من الدعوى ذلك أن الله تعالى أعلن أن ( الإله إله واحد لا إله غيره ) وهي قضية من شانها أن تتلقى بالإنكار من كثير من الناس فناسب إقامة الحجة لمن لا يقتنع فجاء بهذه الدلائل الواضحة التي لا يسع الناظر إلا التسليم إليها .
فإن هنا لمجرد الاهتمام بالخبر للفت الأنظار إليه ويحتمل أنهم نزلوا منزلة من ينكر أن يكون في ذلك آيات ( لقوم يعقلون ) لأنهم لم يجروا على ما تدل عليه تلك الآيات .
وليست إن هنا بمؤذنة بتعليل للجملة التي قبلها لأن شرط ذلك أن يكون مضمون الجملة التي بعدها صالحا لتعليل مضمون التي قبلها بحيث يكون الموقع لفاء العطف فحينئذ يغنى وقوع إن عن الإتيان بفاء العطف كما ذكره الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز وقد بسطنا القول فيه عند قوله تعالى ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) .
والمقصود من هاته الآية إثبات دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته ولذلك ذكرت إثر ذكر الوحدانية لأنها إذا أثبتت بها الوحدانية ثبت الوجود بالضرورة .
فالآية صالحة للرد على كفار قريش دهريهم ومشركهم والمشركون هم المقصود ابتداء وقد قرر الله في هاته الآية دلائل كلها واضحة من أصناف المخلوقات وهي مع وضوحها تشتمل على أسرار يتفاوت الناس في دركها حتى يتناول كل صنف من العقلاء مقدار الأدلة منها على قدر قرائحهم وعلومهم .
والخلق هنا بمعنى المصدر واختير هنا لأنه جامع لكل ما فيه عبرة من مخلوقات السماوات والأرض وللعبرة أيضا في نفس الهيئة الاجتماعية من تكوين السماوات والأرض والنظام الجامع بينها فكما أن كل مخلوق منها أو قيها هوآية وعبرة فكذلك مجموع خلقها ولعل الآية تشير إلى ما يعبر عنه في علم الهيئة بالنظام الشمسي وهو النظام المنضبط في أحوال الأرض مع الكواكب السيارة المعبر عنها بالسماوات .
( والسماوات ) جمع سماء والسماء إذا أطلقت مفردة فالمراد بها الجو المرتفع فوقنا الذي يبدو كأنه قبة زرقاء وهو الفضاء العظيم الذي تسبح فيه الكواكب وذلك المراد في نحو قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ) ( وأنزل من السماء ماء ) .
وإذا جمعت فالمراد بها أجرام عظيمة ذات نظام خاص مثل الأرض وهي السيارات العظيمة المعروفة والتي عرفت من بعد والتي ستعرف : عطارد والزهرة والمريخ والشمس والمشتري وزحل وأرانوس ونبتون . ولعلها هي السماوات السبع والعرش العظيم وهذا السر في جمع السماوات هنا وإفراد الأرض لأن الأرض عالم واحد وأما جمعها في بعض الآيات فهو على معنى طبقاتها أو أقسام سطحها .
والمعنى أن في خلق مجموع السماوات مع الأرض آيات فلذلك أفرد الخلق وجعلت الأرض معطوفا على السماوات ليتسلط المضاف عليهما .
والآية في هذا الخلق ( لقوم يعقلون ) آية عظيمة لمن عرف أسرار هذا النظام وقواعد الجاذبية التي أودعها الله تعالى في سير مجموع هاته السيارات على وجه لا يعتريه خلل ولا خرق ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) وأعظم تلك الأسرار تكوينها على هيئة كرية قال الفخر كان عمر بن الحسام يقرأ كتاب المجسطى على عمر الأبهرى فقال لهما بعض الفقهاء يوما ما الذي تقرءونه فقال الأبهرى أفسر قوله تعالى ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ) فأنا أفسر كيفية بنائها ولقد صدق الأبهرى فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلا في بحار المخلوقات كان أكثر علما بجلال الله تعالى وعظمته اه .
قلت ومن بديع هذا الخلق أن جعله الله تعالى يمد بعضه بعضا بما يحتاجه كلا فلا ينقص من المد شئ لأنه يمده غيره بما يخلف له ما نقص وهكذا نجد الموجودات متفاعلة فالبحر يمد الجو بالرطوبة فتكون منه المياه النازلة ثم هو لا ينقص مع طول الآباد لأنه يمده كل نهر وواد .
وهي آية لمن كان في العقل دون هاته المرتبة فأدرك من مجموع هذا الخلق مشهدا بديعا في طلوع الشمس وغروبها وظهور الكواكب في الجو وغروبها .
وأما الاعتبار بما فيها من المخلوقات وما يحف بها من الموجودات كالنجوم الثوابت والشهب وما في الأرض من جبال وبحار وأنهار وحيوان فذلك من تفاريع تلك الهيئة الاجتماعية .
A E