وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية . والتقوى تقدم تفسيرها عند قوله تعالى ( هدى للمتقين ) . وحاصل امتثال الأمر واجتناب المنهي عنه في الأعمال الظاهرة والنوايا الباطلة . وحق التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير وتظاهر بما ليس من عمله وذلك هو معنى قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) لأن الاستطاعة هي القدرة والتقوى مقدور للناس . وبذلك إن لم يكن تعارض بين الآيتين ولا نسخ وقيل : هاته منسوخة بقوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) لأن هاته دلت على تقوى كاملة كما فسرها ابن مسعود : أن يطاع فلا يعصي ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى ورووا أن هذه الآية لما نزلت قالوا : " يا رسول الله من يقوى لهذا فنزل قوله تعالى ( فاتقوا الله ما استطعتم ) فنسخ هذه بناء على أن الأمر في الآيتين في الوجوب وعلى اختلاف المراد من التقويين . والحق أن هذا بيان لا نسخ كما حققه المحققون ولكن شاع عند المتقدمون إطلاق النسخ على ما يشمل البيان .
والتقاة اسم مصدر . اتقى وأصله وقية ثم وقاة تم أبدلت الواو تاء تبعا لإبدالها في الافتعال إبدالا قصدوا منه الإدغام . كما تقدم في قوله تعالى ( إلا تتقوا منهم تقاة ) .
وقوله ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) نهي عن أن أن يموتوا على حالة في الدين إلا على حالة الإسلام فمحط النهي هو القيد : أعني المستثنى منه المحذوف والمستثنى هو جملة الحال لأنها استثناء من أحوال وهذا المركب مستعمل في غير معناه لأنه مستعمل في النهي عن مفارقة الدين بالإسلام مدة الحياة وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم لما شاع بين الناس من أن ساعة الموت أمر غير معلوم كما قال الصديق : .
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة ولو كان المراد به معناه الأصلي لكان ترخيصا في مفارقة الإسلام إلا عند حضور الموت وهو معنى فاسد وقد تقدم ذلك في قوله تعالى ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وقوله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) ثنى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم وذلك بالاجتماع على هذا الدين وعدم التفرق ليكتسبوا باتحادهم قوة ونماء . والاعتصام افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أي يمنع