وقوله ( حتى تغتسلوا ) غاية للنهي عن الصلاة إذا كانوا جنبا فهو تشريع للغسل من الجنابة وإيجاب له لأن وجوب الصلاة لا يسقط بحال فلما نهوا عن اقترابها بدون الغسل علم من ذلك فرض الغسل . والحكمة في مشروعية الغسل النظافة ونيط ذلك بأداء الصلاة ليكون المصلي في حالة كمال الجسد كما كان حينئذ في حال كمال الباطن بالمناجاة والخضوع . ومن أبدع الحكم الشرعية أنها لم تنط وجوب التنظيف بحال الوسخ لأن مقدار الحال من الوسخ الذي يستدعي الاغتسال والتنظيف مما تختلف فيه مدارك البشر في عوائدهم وأحوالهم فنيط وجوب الغسل بحالة لا تنفك عن القوة البشرية في مدة متعارف أعمار البشر وهي حالة دفع فواضل القوة البشرية وحيث كان بين تلك الحالة وبين شدة القوة تناسب تام إذ بمقدار القوة تندفع فضلاتها وكان أيضا بين شدة القوة وبين ظهور الفضلات على ظاهر البدن المعبر عنها بالوسخ تناسب تام كان نوط الاغتسال بالجناية إناطة بوصف ظاهر منضبط فجعل هو العلة أو السبب وكان مع ذلك محصلا للمناسبة المقتضية للتشريع وهي إزالة الأوساخ عند بلوغها مقدار يناسب أن يزال مع جعل ذلك مرتبطا بأعظم عبادة وهي الصلاة فصارت الطهارة عبادة كذلك وكذلك القول في مشروعية الوضوء على أن في الاغتسال من الجنابة حكمة أخرى وهي تجديد نشاط المجموع العصبي الذي يعتريه فتور باستفراغ القوة المأخوذة من زبد الدم حسبما تفطن لذلك الأطباء فقضيت بهذا الانضباط حكم عظيمة .
ودل إسناد الاغتسال إلى الذوات في قوله ( حتى تغتسلوا ) على أن الاغتسال هو إحاطة البدن بالماء وهذا متفق عليه واختلف في وجوب الدلك أي إمرار اليد على أجزاء البدن : فشرطه مالك " رحمة الله " بناء على أنه المعروف من معنى الغسل في لسان العرب ولأن الوضوء لا يجزئ بدون ذلك باتفاق فكذلك الغسل .
وقال جمهور العلماء : يجزئ في الغسل إحاطة البدن بالماء بالصب أو الانغماس ؛ واحتجوا بحديث ميمونة وعائشة " Bهما " في صفة غسل النبي A أنه أفاض الماء على جسده ولا حجة فيه لأنهما لم تذكرا أنه لم يتدلك ولكنهما سكتتا عنه فيجوز أن يكون سكوتهما لعلمهما بأنه المتبادر وهذا أيضا رواية عن مالك رواها عنه أبو الفرج ومروان بن محمد الطاطري وهي ضعيفة .
وقوله ( وإن كنتم مرضى ) الخ ذكر حالة الرخصة في ترك الاغتسال وترك الوضوء الذي لم يذكر في هذه السورة وذكر في سورة المائدة وهي نازلة قبل هذه السورة . فالمقصود بيان حكم التيمم بحذافره وفي جمع هذه الأشياء في نسق حصل هذا المقصود وحصل أيضا تخصيص لعموم قوله ( ولا جنبا ) كما تقدم .
وقوله ( أو على سفر ) بيان للإجمال الواقع في قوله ( إلا عابري سبيل ) إن كان فيه إجمال وإلا فهو استئناف حكم جديد كما تقدم .
وقوله ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) زيادة على حكم التيمم الواقع بدلا عن الغسل بذكر التيمم الواقع بدلا عن الوضوء إيعابا لنوعي التيمم . وغير ذلك من أسبابه يؤخذ بالقياس على المذكور . فالمريض أريد به الذي اختل نظام صحته بحيث صار الاغتسال يضره أو يزيد علته . ( وجاء من الغائط ) كناية عن قضاء الحاجة البشرية شاع في كلامهم التكني بذلك لبشاعة الصريح .
والغائط : المنخفض من الأرض وما غاب عن البصر يقال : غاط في الأرض " إذا غاب " يغوط فهمزته منقلبة عن الواو وكانت العرب يذهبون عند قضاء الحاجة إلى مكان منخفض من جهة الحي بعيد عن بيوت سكناهم فيكنون عنه : يقولون ذهب إلى الغائط أو تغوط فكانت كناية لطيفة ثم استعملها الناس بعد ذلك كثيرا حتى ساوت الحقيقة فسمجت فصار الفقهاء يطلقونه على نفس الحدث ويعلقونه بأفعال تناسب ذلك .
وقوله ( أو لامستم النساء ) قرئ ( لامستم ) " بصيغة المفاعلة " وقرئ ( لمستم ) " بصيغة الفعل " كما سيأتي وهما بمعنى واحد على التحقيق . ومن حاول التفصيل لم يأت بما فيه تحصيل . وأصل اللمس المباشرة باليد أو بشيء من الجسد وقد أطلق مجازا وكناية على الافتقاد قال تعالى ( وأنا لمسنا السماء ) وعلى النزول قال النابغة : .
" ليلتمسن بالجيش دار المحارب A E