- الحديث الأول مع كونه في صحيح مسلم قد أعل بالانقطاع والاضطراب . أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير رواه عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشج وهو لم يسمع من أبيه قاله أحمد عن حماد بن خالد عن مخرمة نفسه . وقال سعيد بن أبي مريم : ( سمعت خالي موسى بن سلمة قال : أتيت مخرمة بن بكير فسألته أن يحدثني عن أبيه فقال : ما سمعت من أبي شيئا إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه ما أدركت أبي إلا وأنا غلام ) وفي لفظ : ( لم أسمع من أبي وهذه كتبه ) وقال علي ابن المديني : سمعت معنا يقول مخرمة سمع من أبيه قال : ولم أجد أحدا بالمدينة يخبر عن مخرمة أنه كان يقول في شيء سمعت أبي . قال علي : ومخرمة ثقة . وقال ابن معين : يخبر عن مخرمة مخرمة ضعيف الحديث ليس حديثه بشيء .
قال في الفتح : ولا يقال مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة وهو كذلك هنا لأنا نقول وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع انتهى .
أما الاضطراب فقال العراقي : إن أكثر الرواة جعلوه من قول أبي بردة مقطوعا وأنه لم يرفعه غير مخرمة عن أبيه وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم فقال : لم يسنده غير مخرمة عن أبيه عن أبي بردة قال : ورواه حماد عن أبي بردة من قوله ومنهم من بلغ به أبا موسى ولم يرفعه قال : والصواب أنه من قول أبي بردة وتابعه وأصل الأحدب ومجالد روياه عن أبي بردة من قوله . وقال النعمان بن عبد السلام : عن الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه موقوف ولا يثبت قوله عن أبيه انتهى كلام الدارقطني .
وأجاب النووي في شرح مسلم عن ذلك بقوله : وهذا الذي استدركه بناء على القاعدة المعروفة له ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع أو إرسال واتصال حكموا بالوقف [ ص 302 ] والإرسال وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة قال : والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء والبخاري ومسلم ومحققي المحدثين أنه يحكم بالرفع والاتصال لأنها زيادة ثقة انتهى .
والحديث الثاني المذكور في الباب حسنه الترمذي وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد اتفق أئمة الجرح والتعديل على ضعفه والترمذي قد شرط في حد الحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب وكثير هنا قال فيه الشافعي وأبو داود : إنه ركن من أركان الكذب وقد حسن له الترمذي مع هذا عدة أحاديث وصحح له حديث : ( الصلح جائز بين السلمين ) قال الذهبي في الميزان : فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي .
قال العراقي : لا يقبل هذا الطعن منه في حق الترمذي وإنما جهل الترمذي من لا يعرفه كابن حزم وإلا فهو إمام معتمد عليه ولا يمتنع أن يخالف اجتهاده اجتهاد غيره في بعض الرجال وكأنه رأى ما رآه البخاري فإنه روي عنه أنه قال في حديث كثير عن أبيه عن جده في تكبير العيدين : إنه حديث حسن . ولعله إنما حكم عليه بالحسن باعتبار الشواهد فإنه بمعنى حديث أبي موسى المذكور في الباب فارتفع بوجود حديث شاهد له إلى درجة الحسن .
وقد رواه البيهقي ورواه أيضا ابن أبي شيبة من طريق مغيرة عن واصل الأحدب عن أبي بردة من قوله وإسناده قوي .
( والحديثان ) يدلان على أن ساعة الإجابة هي وقت صلاة الجمعة من عند صعود الإمام المنبر أو من عند الإقامة إلى الانصراف منها وقد تقدم أن الأحاديث المصرحة بأنها بعد العصر أرجح وسيأتي ذكرها