@ 203 @ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاٌّ رْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } . قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة : ( ما عليها ) يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها . .
وقال بعض العلماء : كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص . وعلى هذا القول فوجه كل الحيات وغيرها مما يؤدي زينة للأرض . لأنه يدل على وجود خالقه ، واتصافه بصفات الكمال والجلال ، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له . .
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه ، كقوله تعالى : { ذالِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ } . مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ } . .
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاٌّ رْضِ زِينَةً لَّهَا } قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه ، كقوله تعالى : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَواةِ الدُّنْيَا } ، وقوله : { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } ، إلى غير ذلك من الآيات . .
وقوله في هذه الآية الكريمة : { صَعِيداً } أي أرضاً بيضاء لانبات بها . وقد قدمنا معنى ( الصعيد ) بشواهده العربية في سورة ( المائدة ) . .
والجرز : الأرض التي لانبات بها كما قال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الاٌّ رْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } ومنه قول ذي الرمة : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الاٌّ رْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } ومنه قول ذي الرمة : % ( طوى النحز والأجراز ما في غروضها % وما بقيت إلا الضلوع الجراشع ) % .
لأن مراده ( بالأجراز ) الفيافي التي لا نبات فيها ، والأجراز : جمع جرزة ، والجرزة : جمع جرز ، فهو جمع الجمع للجرز ، كما قاله الجوهري في صحاحه . .
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا } من هذه الزينة صعيداً أو جرزاً ، أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته ، وإماطة حسنه ، وإبطال ما به كان زينة من إماتة الحيوان ، وتجفيف