@ 255 @ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } وقوله تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَاهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } . أي الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله . الخناس الذي يخنس ويتأخر صاغراً عند ذكر الله ، فإذا ذهب الشيطان النسيان . وقال بعضهم : { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } أي صل الصلاة التي كنت ناسياً لها عند ذكرك لها ، كما قال تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلَواةَ لِذِكْرِى } وقول من قال إذا نسيت ، أي إذا غضبت ظاهر السقوط . .
مسألة .
اشتهر على ألسنة العلماء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه استنبط من هذه الآية الكريمة . أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمناً طويلاً قال بعضهم إلى شهر . وقال بعضهم : إلى سنة . وقال بعضهم عنه : له الاستثناء أبداً . ووجه أخذه ذلك من الآية : أن الله تعالى نهى نبيه أن يقول : إنه سيفعل شيئاً في المستقبل إلا من الاستثناء بإن شاء الله . ثم قال : { وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } ، أي إن نسيت تستثنى بإن شاء الله فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب . .
والتحقيق الذي لا شك فيه أن الاستثناء لا يصح إلا مقترناً بالمستثنى منه . وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين . ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك ، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك ، وهذا في غاية البطلان كما ترى . ويحكى عن المنصور أنه بلغه أن أبا حنيفة رحمه الله يخالف مذهب ابن عباس المذكور . فاستحضره لينكر عليه ذلك ، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور : هذا يرجع عليكا إنك تأخذ البيعة بالأيمان ، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليكا ؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه . .
فائدة .
قال ابن العربي المالكي : سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها : لو كان مذهب ابن عباس صحيحاً في الاستثناء ما قال الله تعالى لأيوب : { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } بل يقول استثن بإن شاء الله انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود في شرح وقوله في مراقي السعود :