@ 324 @ في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية ، يختص الله به من يشاء من خلقه . أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كالإلهام غيرهم ، لأنهم معصومون بخلاف غيرهم . قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال : فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ } ، وبخبر ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) كله باطل لا يعول عليه ، لعدم اعتضاده بدليل . وغير المعصوم لا ثقة بخواطره ، لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان . وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع ، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات . والإلهام في الاصطلاح : إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية ، يختص الله به من يشاء من خلقه . أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كالإلهام غيرهم ، لأنهم معصومون بخلاف غيرهم . قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال : % ( وينبذ الإلهام بالعراء % أعني به إلهام الأولياء ) % % ( وقد رآه بعض من تصوفا % وعصمة النَّبي توجب اقتفا ) % .
وبالجملة ، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه ، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي . فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل ، وما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة فلا شك في زندقته . والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى ، قال تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهاماً . وقال تعالى : { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } . وقال : { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ } . والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جداً . وقد بينا طرفاً من ذلك في سورة ( بني إسرائيل ) في الكلام على قوله : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } . وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقاً باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع ، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى زندقة ، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام ، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره . .
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره ما نصه : قال شيخنا الإمام أبو العباس : ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا : هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة . وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص . بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم . ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم . وقالوا : وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار ، وخلوها عن الأغيار ، فتتجلى لهم العلوم الإلهية ، والحقائق الربانية ، فيقفون على أسرار الكائنات ، ويعلمون أحكام الجزئيات ، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات ، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم . وقد جاء فيما