@ 31 @ .
فإن قلت : كيف طابقه قوله { مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } ولا بد من أن تجعله زماناً والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان ؟ .
قلت : هو مطابق معنى وإن لم يطابق لفظاً . لأنهم لا بد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم . فبذكر الزمان عُلم المكان . انتهى محل الغرض منه . ولا يخفى ما في جوابه هذا من التعسف والحذف والإبدال من المحذوف . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أظهر ما أُجيب به عما ذكرنا من الإشكال عندي في هذه الآية الكريمة أن فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد ، وأنه يكون مكاناً سُوًى . أي وسطاً بين أطراف البلد كما بينا . وأن موسى وافق على ذلك وعين زمان الوعد وأنه يوم الزينة ضُحى . لأن الوعد لا بد له من مكان وزمان . فإذا علمت ذلك فاعلم أن الذي يترجح عندي المصير إليه هو قول من قال في قوله { أَجَعَلَ * بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً } إنه اسم مكان أي مكان الوعد ، وقوله { مَكَاناً } بدل من قوله موعداً . لأن الموعد إذا كان اسم مكان صار هو نفس المكان فاتضح كون { مَكَاناً } بدلاً . ولا إشكال في ضمير { نُخْلِفُهُ } على هذا . ووجه إزالة الإشكال عنه أن المعروف في فن الصرف : أن اسم المكان مشتق من المصدر كاشتقاق الفعل منه ، فاسم المكان ينحل عن مصدر ومكان . فالمنزل مثلاً مكان النزول ، والمجلس مكان الجلوس ، والموعد مكان الوعد . فإذا اتضح لك أن المصدر كامن في مفهوم اسم المكان فالضمير في قوله { لاَّ نُخْلِفُهُ } راجع إلى المصدر الكامن في مفهوم اسم المكان ، كرجوعه للمصدر الكامن في مفهوم الفعل في قوله { اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } : فقوله { هُوَ } أي العدل المفهوم من { اعْدِلُواْ } وكذلك قوله تعالى : { لاَّ نُخْلِفُهُ } أي الوعد الكامن في مفهوم اسم المكان الذي هو الموعد . لأنه مكان الوعد ، فمعناه مركب إضافي وآخر جزأيه لفظ الوعد وهو مرجع الضمير في { لاَّ نُخْلِفُهُ } . .
فإذا عرفت معنى هذا الكلام الذي أخبر الله أن فرعون قاله لموسى فاعلم أن قوله عن موسى { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } يدل على أنه وافق على طلب فرعون ضمناً ، وزاد تعيين زمان الوعد بقوله { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ } ولا إشكال في ذلك . هذا هو الذي ظهر لنا صوابه . وأقرب الأوجه التي ذكرها العلماء بعد هذا عندي قول من قال : إن