@ 42 @ .
النوع الثاني من السحر سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية . ثم استدل على تأثير الوهم بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض ، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه قال : وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي أوجبه . وقال : واجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر ، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران . وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام . قال : وحكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان : أن الدجاجة إذا تشبهت كثيراً بالديَكة في الصوت وفي الحراب مع الديَكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك ، قال : ثم قال صاحب الشفاء : وهذا يدل على أن الأحوال الجهمانية تابعة للأحوال النفسانية . قال : واجتمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر . فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثاراً . . إلى آخر كلامه في هذا النوع من أنواع السحر ، وقد أطال فيه الكلام . .
ومعلوم أن النفوس الخبيثة لها آثار بإذن الله تعالى ، ومن أصرح الأدلة الشرعية في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( العين حتى ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ) . وهذا الحديث الصحيح يدل على أن همة العائن وقوة نفسه في الشر جعلها الله سبباً للتأثير في المصاب بالعين . .
وقال الرازي في هذا النوع من أنواع السحر : إذا عرفت هذا فنقول : النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات ، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات . وتحقيقه : أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماء كانت كأنها روح من الأرواح السماوية ، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم ، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن . إلى آخر كلامه . ولا يخفى ما فيه على من نظره . .
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره في سورة ( البقرة ) بعد أن ساق كلام الرازي الذي ذكرناه آنفاً ما نصه : ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء والانقطاع عن الناس . قلت : وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال وهو على قسمين : تارة يكون حالاً صحيحة شرعية ، يتصرف بها فيما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم : فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى ، وكرامات للصالحين من هذه