@ 59 @ المرض . بدليل قوله ( أما الله فقد شفاني ) وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ : فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ قال مطبوب . أي مسحور . وهو تصريح بأن السحر سبب له وجعاً . ونفي بعض الناس لهذه القصة مستدلاً بأنها لا تجوز في حقه صلى الله عليه وسلم ، لقوله تعالى عن الكفار منكراً عليهم . { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } ساقط . لأن الروايات الصحيحة الثابتة لا يمكن ردها بمثل هذه الدعاوى . وسترى في آخر بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى إيضاح وجه ذلك . وطرف لا خلاف في أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه . كإحياء الموتى ، وفلق البحر ونحو ذلك . .
قال القرطبي في تفسيره : أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع ، وفلق البحر ، وقلب العصا ، وإحياء الموتى ، وإنطاق العجماء ، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام . فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله الله عند إرادة الساحر . قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه انتهى كلام القرطبي . .
وأما الواسطة فهي محل خلاف بين العلماء ، وهي هل يجوز أن ينقلب بالسحر الإنسان حماراً مثلاً ، والحمار إنساناً ؟ وهل يصح أن يطير الساحر في الهواء ، وأن يستدق حتى يدخل من كوة ضيقة . وينتصب على رأس قصبة ، ويجري على خيط مستدق ، ويمشي على الماء ، ويركب الكلب ونحو ذلك . فبعض الناس يجيز هذا . وجزم بجوازه الفخر الرازي في تفسيره ، وكذلك صاحب رشد الغافل وغيرهما . وبعضهم يمنع مثل هذا . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أما بالنسبة إلى أن الله قادر على أن يفعل جميع ذلك ، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب وإن لم تكن هناك مناسبة عقلية بين السبب والمسبب كما قدمناه مستوفى في سورة ( مريم ) فلا مانع من ذلك ، والله جل وعلا يقول { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ } . وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع . لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول ، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة والأخذ بالعيون ، لا قلب الحقيقة مثلاً إلى حقيقة أخرى . وهذا هو الأظهر عندي ، والله تعالى أعلم .