@ 183 @ عباده على أن حكم الشيء حكم مثله ، فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به . وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلاً تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم ، وقال تعالى : { وَتِلْكَ الاٌّ مْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُونَ } بالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل ، وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما ، والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما قالوا : ومدار الاستدلال جمعية على التسوية بين المتمائلين ، والفرق بين المختلفين : فإنه إما استدلال بمعين على معين ، أو بمعين على عام ، أو بعام على معين ، أو بعام على عام . فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال . فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه ، بكل ملزوم دليل على لازمه ، فإن كان التلازم من الجانبين كان كل منهما دليلاً على الآخر ومدلولاً له . وهذا النوع ثلاثة أقسام : أحدها الاستدلال بالمؤثر على الأثر ، والثاني الاستدلال بالأثر على المؤثر . والثالث الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر . فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق . والثاني كالاستدلال بالحريق على الناس . والثالث كالاستدلال بالحريق على الدخان . ومدار ذلك كله على التلازم : ولتسوية بين المماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر وقياس الفرق هو استدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر ، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه : فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طريق الاستدلال ، وغلقت أبوابه . .
قالوا : وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين ، إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين دليلاً على الأمر العام المشترك بين الأفراد . ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره ، على أن هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم ، واتصف بصفتهم ، وهو سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال ، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم ، كما قال تعالى عقب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما حل بهم : { أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَائِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِى الزُّبُرِ } فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة ، وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية . ولا تمت الحجة . ومثل هذا قوله تعالى عقيب إخباره عن عقوبة قوم هود حين رأوا العارض في السماء : { هَاذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } فقال تعالى : { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ