@ 195 @ جداً . ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه ، وأن الوحي ينزل مطابقاً لقوله مراراً . وذلك أنه رضي الله عنه قال : ما سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلام حتى طعن بأصبعه في صدري وقال : ( تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ) . وهذا الإرشاد من النَّبي صلى الله عليه وسلم واضح كل الوضوح في أنه يريد : أن الكلالة هي ما عدا الولد بالوالد . لأن آية الصيف المذكورة التي أخبره أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها : { إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد . وقوله فيها : { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } يدل بالإلتزام على أنها لا أب فيها ، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب . وذلك مما لا نزاع فيه . فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن الكلالة ما عدا الولد والوالد ، ولم يفهم عمر رضي الله عنه الإشارة النبوية المذكورة ، فالكمال التام له جل وعلا وحده ، سبحانه وتعالى علواً كبيراً . .
ومنها اجتهاد ابن مسعود رضي الله عنه في المرأة التي توفي زوجها ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها . فقال : أقول فيها برأيي ، فإن كان صواباً فمن الله : لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط ، ولها الميراث وعليها العدة . وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق ، ففرح بذلك . .
ومنها اجتهاد الصحابة في أن أبا بكر رضي الله عنه أولى من غيره بالإمامة ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قدمه على غيره في إمامة الصلاة . .
ومنها اجتهاد أبي بكر في العهد بالخلافة إلى عمر ، سواء قلنا إنه من المصالح المرسلة ، أو قلنا إنه قاس العهد بالولاية على العقد لها . ومن ذلك اجتهادهم في جمع المصحف بالكتابة . ومن ذلك اجتهادهم في الجد والإخوة ، والمشتركة المعروفة بالحمارية واليمية . .
ومنها اجتهاد أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء ، واجتهاد عمر في تفضيل بعضهم على بعض فيه . .
ومنها اجتهادهم في جلد السكران ثمانين ، قالوا : إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى فمدوه حد الفرية . وأمثال هذا كثيرة جداً . وهي تدل على أن اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه متواتر معنى ، فإن الوقائع منهم في ذلك وإن لم تتواتر آحادها فمجموعها يفيد العلم