@ 339 @ .
وأما العقل : فإنا لو قلنا : إن وجوب الحج على التراخي ، فلا يخلو من أحد أمرين : إما أن يكون ذلك التراخي له غاية معين ينتهي عندها ، وإما ألا والقسم الأول ممنوع ، لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه ، دون غيره من الأزمنة ، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه . إن قلنا : إنه ليس على الفور . .
والحاصل : أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع . .
والقسم الثاني الذي هو : أن تراخيه ، ليس له غاية ، يقتضي عدم وجوبه ، لأن ما جاز تركه جوازاً ، لم تعين له غاية ينتهي إليها ، فإن تركه جائز إلى غير غاية ، وهذا يقتضي عدم وجوبه والمفروض وجوبه . .
فإن قيل : غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه . .
فالجواب : أن البقاء إلى زمن متأخر ، ليس لأحد أن يظنه ؟ لأن الموت يأتي بغتة ، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة ، وقد قدمنا قوله تعالى في ذلك { وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها ، إلا عند عجزه عن العبادات ، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج . والإنسان طويل الأمل ، يهرم ، ويشب أمله وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه . .
فهذه جملة أدلة القائلين : بأن وجوب الحج على الفور ، ومنعوا أدلة المخالفين قالوا إن قولكم : إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة ، فإن قدومه سنة خمس ، وقد ذكر له النَّبي صلى الله عليه وسلم وجوب الحج ، وأن قوله تعالى { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } . نزلت عام ست في عمرة الحديبية . دلت على أن الحج مفروض عام ست ، وأنه صلى الله عليه وسلم أخره بعد فرضه إلى عام عشر ، كل ذلك مردود ، بل الحج إنما فرض عام تسع ، قالوا : والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع . .
وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة ضمام المذكور ما نصه : وزعم الواقدي أن قدومه كان في سنة خمس ، وفيه نظر . وذكر ابن هشام عن أبي عبيد : أن قدومه كان سنة تسع ، وهذا عندي أرجح ا ه . منه ، وانظر ترجيح ابن حجر لكون قدومه عام تسع . .
وذكر ابن كثير : قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع ، مع أنه ذكر قول من قال : إن قدومه كان قبل عام خمس ، هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام ، وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فهو أنه لم يذكر فيها إلا