@ 364 @ منًى وذكر أحدنا يقطر ؟ فبلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت ) الحديث . هذا لفظ البخاري رحمه الله ، فقولهم في هذا الحديث الصحيح بعد أن أمرهم صلى الله عليه وسلم ، أن يحلوا ننطلق إلى منًى ، وذكر أحدنا يقطر : يدل على شدة نفرتهم من الإحلال بعمرة في زمن الحج كما ترى . وذلك يؤكد الاحتياج إلى تأكيد بيان الجواز . وهذا الحديث الصحيح يدفع الاحتمال الذي في حديث ابن عباس المتقدم : لأن قوله ( فتعاظم ذلك عندهم ) يحتمل أن يكون موجب التعاظم ، أنهم كانوا أولاً محرمين بحج ، ويدل لهذا الاحتمال حديث جابر الثابت في الصحيح : أنه حج مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه ، وقد أهلوا بالحج مفرداً ، فقال لهم : ( أحلوا من إحرامكم بطواف البيت ) . الحديث . وفيه فقالوا : كيف نجعلها متعة ، وقد سمينا الحج إلى آخر الحديث ، فهذا الحديث يدل على أنهم إنما صعب عليهم الإحلال بالعمرة ، لأنهم قد سموا الحج ، لا لأن ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، لم يزل باقياً إلى ذلك الوقت ، لأن حديث جابر المذكور ، أعني قوله : فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر ، لا يحتمل هذا الاحتمال ، بل معناه : أن تعاظم الإحلال بعمرة عندهم ، لأنه في وقت الحج كما بينا ، وهو يدل على أن ذلك هو المراد من هذا الحديث الأخير ، وأنه ليس المراد الاحتمال المذكور ، كما جزم به ابن حجر في الفتح في كلامه على الحديث الذي ذكرناه عنه آنفاً . .
الأول : منها حديث ابن عباس المتفق عليه ، الذي قدمناه قال : كانوا يرون العمرة في أشهر الحج ، من أفجر الفجور في الأرض ، ويجعلون المحرم صفراً ، ويقولون : إذا برأ الدبر ، وعفا الأثر ، وانسلخ صفر ، حلت العمرة لمن اعتمر ، فقدم النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل ؟ قال ( الحل كله ) قالوا : فقوله في هذا الحديث المتفق عليه : كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، وترتيبه بالفاء على ذلك قوله : فأمرهم أن يجعلوها عمرة ظاهر كل الظهور في أن السبب الحامل له صلى الله عليه وسلم على أمرهم : أن يجعلوا حجهم عمرة ، هو أن يزيل من نفوسهم بذلك اعتقادهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، فالفسخ لبيان الجواز كما دل عليه هذا الحديث المتفق عليه ، لا لأن الفسخ في حد ذاته أفضل ، وقد تقرر في مسلك النص ، ومسلك الإيماء والتنبيه أن الفاء من حروف : التعليل ، كما قدمناه مراراً قالوا : فقول من زعم أن قوله في الحديث المذكور كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ، لا ارتباط بينه ، وبين قوله : فأمرهم أن يجعلوها عمرة ظاهر السقوط كما ترى ، لأنه لو لم يقصد به ذلك ، لكان ذكره قليل الفائدة . .
ومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا هناد بن السري ، عن ابن أبي زائدة ، ثنا ابن جرير ، ومحمد بن إسحاق ، عن عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك ، فإن هذا الحي من قريش ، ومن دان دينهم ، كانوا يقولون : إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر ، فقد حلت العمرة لمن اعتمر . فكانوا يحرمون العمرة ، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم ا ه . .
وقد بين الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى : أن حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور ، دال على ذلك ، ولا ينافي ذلك أن ابن عباس رضي الله عنهما يرى فسخ الحج في العمرة لازماً ، لأنه لا مانع من أن يكون يعلم أن الفسخ لبيان الجواز المذكور ، كما دل عليه حديثه ، وهو يرى بقاء حكمه ، ولو كان سببه الأول بيان الجواز ولكن غيره من الخلفاء الراشدين وغيرهم من المهاجرين والأنصار خالفوه في رأيه ذلك . .
الدليل الثاني من أدلتهم : على أن فسخ الحج في العمرة المذكور لبيان الجواز ، وأنه خاص بذلك الركب ، وتلك السنة ، هو ما جاء من الأحاديث دالاً على ذلك ، قال أبو داود في سننه : حدثنا النفيلي ، ثنا عبد العزيز يعني ابن محمد ، أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمان ، عن الحارث بن بلال بن الحارث ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا ؟ قال : ( بل لكم خاصة ) ا ه . .
وقال النسائي في سننه : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أنبأنا عبد العزيز ، وهو الدراوردي ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان ، عن الحارث بن بلال ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله أفسخ الحجْ لنا خاصة ، أم للناس عامة ؟ قال ( بل لنا خاصة ) ا ه . .
وقال ابن ماجه في سننه : حدثنا أبو مصعب ، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمان ، عن الحارث بن بلال بن الحارث ، عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله ، أرأيت فسخ الحج في العمرة لنا خاصة أم للناس عامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بل لنا خاصة ) . .
وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه : وحدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب قالوا : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه ، قال : كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة . وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الرحمان بن مهدي ، عن سفيان ، عن عياش العامري ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : كانت لنا رخصة يعني : المتعة في الحج . وحدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن فضيل ، عن زبيد ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : قال أبو ذر رضي الله عنه : لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة ، يعني متعة النساء ، ومتعة الحج ، حدثنا قتيبة ، حدثنا جرير ، عن بيان ، عن عبد الرحمان بن أبي الشعثاء ، قال : أتيت إبراهيم النخعي ، وإبراهيم التيمي فقلت : إني أهم أن أجمع العمرة والحج العام ، فقال إبراهيم النخعي : لكن أبوك لم يكن لِيَهُمَّ بذلك ، قال قتيبة : حدثنا جرير ، عن بيان ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه : أنه مَرَّ بأبي ذر رضي الله عنه بالربذة فذكر ذلك له فقال : إنما كانت لنا خاصة دونكم . وقال البيهقي وغيره من الأئمة : مراد أبي ذر بالمتعة المذكورة : المتعة التي أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بها أصحابه رضي الله عنهم وهي فسخ الحج في العمرة . واستدلوا على أن الفسخ المذكور : هو مراد أبي ذر رضي الله عنه بما رواه أبو داود في سننه : حدثنا هناد ، يعني ابن السَّري ، عن ابن أبي زائدة : أخبرنا محمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمان بن الأسود ، عن سلم بن الأسود : أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة : لم يكن ذلك إلا للرَّكب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : فهذه الرواية التي في سنن أبي داود فيها التصريح من أبي ذر رضي الله عنه ، بفسخ الحج في العمرة وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم ، وضعفت رواية أبي داود هذه ، بأن ابن إسحاق المذكور فيها مدلس . وقد قال عن عبد الرحمان بن الأسود : وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث ، حتى يصح السماع من طريق أخرى . ويجاب عن تضعيف هذه الرواية من جهتين : .
الأولى : أن مشهور مذهب مالك ، وأحمد ، وأبي حنيفة رحمهم الله : صحة الاحتجاج بالمرسل ، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى ، كما قدمناه مراراً . .
والثانية : أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم ، والبيان يقع بكل ما يلزم الإبهام ولو قرينة أو غيرها ، كما هو مقرر في الأصول . وقد قدمناه مراراً أيضاً . .
وما ذكره عن أبي ذر من الخصوصية المذكورة قاله عثمان بن عفان رضي الله عنه ورد المخالفون الاستدلال بالحديثين المذكورين من جهتين : .
الأولى منهما : تضعيف الحديثين المذكورين ، قالوا : حديث بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه المذكور عند أبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه فيه ابنه الحارث بن بلال ، وهو مجهول ، قالوا : وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله في حديث بلال المذكور : هذا الحديث لا يثبت عندي ، ولا أقول به ، قال : وقد روي فسخ الحج في العمرة أحد عشر صحابياً ، أين يقع الحارث بن بلال منهم ؟ قالوا : وحديث أبي ذر ، عند مسلم موقوف عليه ، وليس بمرفوع ، وإذا كان الأول في سنده مجهول ، والثاني موقوفاً تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج . .
الجهة الثانية : من جهتي رد الحديثين المذكورين : هي أنهما معارضان بأقوى منهما ، وهو حديث جابر المتفق عليه : أن سراقة بن مالك بن جعشم ، سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال في تمتعهم المذكور : يا رسول الله ، ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم ( بل للأبد ) وفي رواية في الصحيح فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى ، وقال ( دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد ) ورد المانعون تضعيف الحديثين المذكورين ، قالوا : حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود ، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج ، قالوا : ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح . وقد قال ابن حجر في التقريب فيه : هو مقبول ، قالوا : واعتضد حديث بما رواه مسلم عن أبي ذر ، كما رأيته آنفاً قالوا : إن قلنا إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه ، فهو حديث صحيح له حكم الرفع ، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره ، وإن قلنا إنه مما للرأي فيه مجال ، كما يدل عليه كلام عمران بن حصين الآتي . وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف وتقاه ، وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة ، إلا وهو عارف صحة ذلك ، وقد تابعه في ذلك عثمان رضي الله عنه قالوا : ويعتضد حديث الحرث بن بلال المذكور أيضاً بمواظبة الخلفاء الراشدين في زمن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان على الإفراد ، ولو لم يعلموا أن فسخ الحج في العمرة خاص بذلك الركب لما عدلوا عنه إلى غيره ، لما هو معلوم من تقاهم ، وورعهم ، وحرصهم على اتباع النَّبي صلى الله عليه وسلم ، فمواظبتهم على إفراد الحج نحو أربع وعشرين سنة يقوي حديث الحارث بن بلال المذكور . وقد رأيت الرواية عنهم بذلك في صحيح البخاري ومسلم ، وكذلك غيرهم من المهاجرين والأنصار ، كما أوضحه عروة بن الزبير رضي الله عنهما في حديثه المتقدم عند مسلم . قالوا : ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر المتفق عليه في سؤال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وإجابته له بقوله : بل للأبد لا يستقيم ، لأنه لا معارضة بين الحديثين لإمكان الجمع بينهما ، والمقرر في علم الأصول ، وعلم الحديث : أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعاً ، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى ، لأنهما صادقان ، وليسا بمتعارضين ، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن ، لأن إعمال الدليلين معاً أولى من إلغاء أحدهما كما لا يخفى ، ووجه الجمع بين الحديثين المذكورين : أن حديث بلال بن الحارث المزني ، وأبي ذر رضي الله عنهما محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة : التحتم والوجوب ، فتحتم فسخ الحج في العمرة ، ووجوبه خاص بذلك الركب ، لأمره صلى الله عليه وسلم لهم بذلك ، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد . وقوله في حديث جابر : بل للأبد ، محمول على الجواز ، وبقاء المشروعية إلى الأبد . فاتفق الحديثان . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر لنا صوابه في حديث ( بل للأبد ) وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين : هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى : وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم ، وحمل التأييد المذكور على المشروعية والجواز أو السنة ، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية ، كما لا يخفى . .
واعلم : أن الشافعية والمالكية ، ومن وافقهم يقولون : إن قوله صلى الله عليه وسلم ( بل للأبد ) لا يراد به فسخ الحج في العمرة ، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج ، وقال بعضهم : المراد به دخول أفعالها في أفعال الحج في حالة القران . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : هذا المعنى الذي حملت عليه المالكية ، والشافعية قول النَّبي لسراقة ( بل للأبد ) ليس هو معناه ، بل معناه : بقاء مشروعية فسخ الحج في العمرة ، وبعض روايات الحديث ظاهرة في ذلك ظهوراً بيناً لا يجوز العدول عنه ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، بل صريح في ذلك . .
وسنمثل هنا لبعض تلك الروايات فنقول : ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه ما لفظه : فقال صلى الله عليه وسلم ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة . ) فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : ( دخلت العمرة في الحج مرتين ، لا بل لأبد أبد ) انتهى المراد منه . وهو صريح في أن سؤال سراقة عن الفسخ المذكور ، وجواب النَّبي له : يدل على تأييد مشروعيته كما ترى ، لأن الجواب مطابق للسؤال ، فقول المالكية ، والشافعية ، ومن وافقهم : بأن الفسخ ممنوع لغير أهل حجة الوداع ، لا يستقيم مع هذا الحديث الصحيح المصرح ، بخلافه كما ترى . .
ودعواهم أن المراد بقوله ( بل لأبد أبد ) جواز العمرة في أشهر الحج ، أو اندراج أعمالها فيه في حال القران بعيد من ظاهر اللفظ المذكور كما ترى ، وأبعد من ذلك دعوى من ادعى أن المعنى : أن العمرة اندرجت في الحج : أي اندرج وجوبها في وجوبه ، فلا تجب العمرة : وإنما تجب على المكلف حجة الإسلام دون العمرة ، وبعد هذا القول وظهور سقوطه كما ترى . .
والصواب إن شاء الله : هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة ، ووجهه ظاهر لا إشكال فيه . .
وقال النووي في شرح المهذب في الجواب عن قول الإمام أحمد : أين يقع الحارث بن بلال من أحد عشر صحابياً رووا الفسخ عنه صلى الله عليه وسلم ما نصه قلت : لا معارضة بينهم ، وبينه ، حتى يقدموا عليه ، لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة ، ولم يذكروا حكم غيرهم ، وقد وافقهم الحارث في إثبات الفسخ للصحابة ، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم وهي اختصاص الفسخ بهم ا ه . .
وإذا عرفت مما ذكرنا أدلة الذين ذهبوا إلى تفضيل الإفراد على غيره من أنواع النسك ، وعلمت أن جوابهم عن أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة ، أنه لإزالة ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، وأن الفعل المفعول لبيان الجواز ، قد يكون أفضل بذلك الاعتبار من غيره ، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته . .
فاعلم أنهم ادعوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه صلى الله عليه وسلم كان قارناً والأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعاً وكلها ثابتة في الصحيحين ، وغيرهما في حجة الوداع مع الأحاديث المصرحة ، بأنه كان مفرداً التي هي معتمدهم في تفضيل الإفراد بأنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولاً مفرداً ، ثم بعد ذلك أدخل العمرة على الحج ، فصار قارناً ، فأحاديث الإفراد يراد بها عندهم ، أنه هو الذي أحرم به أول إحرامه ، وأحاديث القران عندهم حق ، إلا أنه عندهم أدخل العمرة على الحج فصار قارناً وصيرورته قارناً في آخر الأمر هي معنى أحاديث القران ، فلا منافاة . أما الأحاديث الدالة على أنه كان متمتعاً ، فلا إشكال فيها ، لأن السلف يطلقون اسم التمتع على القران من حيث إن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج ، وكذلك أمره لأصحابه بالتمتع وتمنيه له ، وتأسفه على فواته بسبب سوق الهدي في قوله : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة ) كفعله له قالوا : وبهذا تتفق الأحاديث ، ويكون التمتع المذكور بفسخ الحج في العمرة لبيان الجواز ، وهو بهذا الاعتبار أفضل من غيره فلا ينافي أن الإفراد أفضل منه بالنظر إلى ذاته ، كما سار عليه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ، قالوا : ولما أمرهم النَّبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة أسفوا ، لأنهم أحلوا وهو باقٍ على إحرامه ، فأدخل العمرة على الحج لتطيب نفوسهم ، بأنه صار معتمراً مع حجه لما أمرهم بالعمرة والمانع له من أن يحل كما أحلوا هو سوق الهدي ، قالوا فعمرتهم لبيان الجواز ، وعمرته التي بها صار قارناً لمواساتهم لما شق عليهم أنه خالفهم ، فصار تمتعهم وقرانه بهذا الاعتبار أولى من غيرهما ، ولا يلزم من ذلك أفضليتهما في كل الأحوال ، بعد زوال الموجب الحامل على ذلك . .
قالوا : وهذا هو الذي لاحظه الخلفاء الراشدون : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان رضي الله عنهم ، فواظبوا على الإفراد نحو أربع وعشرين سنة ، كلهم يأخذ بسنة الخليفة الذي قبله في ذلك . .
قالوا : وما قاله جماعة من أجلاَّء العلماء ، من أن بيان جواز العمرة في أشهر الحج عام حجة الوداع لا داعي له ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك بياناً متكرراً في سنين متعددة : وذلك لأنه اعتمر عمرة الحديبية عام ست ، وعمرة القضاء عام سبع ، وعمرة الجعرانة عام ثمان وكل هذه العمر الثلاث في ذي القعدة من أشهر بالحج . .
قالوا : وهذا البيان المتكرر سنة بعد سنة كافٍ غاية الكفاية ، فلا حاجة إلى بيان ذلك بأمر الصحابة بفسخ الحج في العمرة . وكذلك قوله ( ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل ) المتقدم في حديث عائشة . .
وإذا كان بيان ذلك لا حاجة إليه تعين أن الأمر بالفسخ المذكور لأفضلية التمتع على غيره لا بشيء آخر . لا شك في أنه ليس بصحيح ، وأن بيان ذلك محتاج إليه غاية الاحتياج في حجة الوداع ، ولشدة الاحتياج إلى ذلك البيان أمرهم صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة ، والدليل على ذلك : هو ما ثبت في حديث ابن عباس المتفق عليه ، وقد ذكرناه في أول هذا المبحث . .
قال : كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض الحديث . وفيه : فقدم النَّبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة ، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل ؟ قال ( الحل كله ) : وفي البخاري قال ( حله كله ) فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح : فتعاظم ذلك عندهم ، دليل على أنه في ذلك الوقت ، لم يزل عظيماً عندهم . ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية ، لما تعاظم الأمر عندهم ، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر ، دليل على أن العمرة عام ست ، وعام سبع ، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم لشدة استحكامه فيها . وكذلك : إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة . والنَّبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، مودع حريص على إتمام البيان ، وحجة الوداع اجتمع فيها جمع من المسلمين ، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته صلى الله عليه وسلم . .
وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور : فتعاظم عندهم : أي لما كانوا يعتقدونه أولاً ، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج : فكبر ذلك عندهم انتهى منه . .
قالوا : ولشدة عظمه عندهم ، لم يمتثلوا أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج في العمرة أولاً ، حتى غضب عليهم بسبب ذلك . وبذلك كله يتضح لك أنما كان مستحكماً في نفوسهم ، من أن العمرة في أشهر الحج ، من أفجر الفجور في الأرض ، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر . .
قالوا : وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة الوداع بعمل كل الصحابة الذين لم يسوقوا هدياً لأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم ، واعتماره هو مع حجته ، أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جداً للبيان المذكور . .
ومما يدل من الأحاديث الصحيحة على أن ما كان في نفوسهم من ذلك لم ينزل بالكلية : ما ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ ( وأن النَّبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي ، فقالوا : ننطلق إلى منًى وذكر أحدنا يقطر ؟ فبلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت ) الحديث . هذا لفظ البخاري رحمه الله ، فقولهم في هذا الحديث الصحيح بعد أن أمرهم صلى الله عليه وسلم ، أن يحلوا ننطلق إلى منًى ، وذكر أحدنا يقطر : يدل على شدة نفرتهم من الإحلال بعمرة في زمن الحج كما ترى . وذلك يؤكد الاحتياج إلى تأكيد بيان الجواز . وهذا الحديث الصحيح يدفع الاحتمال الذي في حديث ابن عباس المتقدم : لأن قوله ( فتعاظم ذلك عندهم ) يحتمل أن يكون موجب التعاظم ، أنهم كانوا أولاً محرمين بحج ، ويدل لهذا الاحتمال حديث جابر الثابت في الصحيح : أنه حج مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم ساق البدن معه ، وقد أهلوا بالحج مفرداً ، فقال لهم : ( أحلوا من إحرامكم بطواف البيت ) . الحديث . وفيه فقالوا : كيف نجعلها متعة ، وقد سمينا الحج إلى آخر الحديث ، فهذا الحديث يدل على أنهم إنما صعب عليهم الإحلال بالعمرة ، لأنهم قد سموا الحج ، لا لأن ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ، لم يزل باقياً إلى ذلك الوقت ، لأن حديث جابر المذكور ، أعني قوله : فقالوا ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر ، لا يحتمل هذا الاحتمال ، بل معناه : أن تعاظم الإحلال بعمرة عندهم ، لأنه في وقت الحج كما بينا ، وهو يدل على أن ذلك هو المراد من هذا الحديث الأخير ، وأنه ليس المراد الاحتمال المذكور ، كما جزم به ابن حجر في الفتح في كلامه على الحديث الذي ذكرناه عنه آنفاً . .
ويبين أيضاً : أن ذلك هو معنى حديث جابر عند مسلم ، حيث قال رحمه الله في صحيحه : حدثنا ابن نمير ، حدثني أبي ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاءٍ ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا ، وضاقت به صدورنا ، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فما ندري أشيء بلغه من السماء ، أم شيء من قبل الناس ؟ فقال ( أيها الناس أحلوا فلولا أن معي الهدي فعلت كما فعلتم ) الحديث . .
فقول جابر رضي الله عنه في هذا الحديث الصحيح : فكبر ذلك علينا ، وضاقت به صدورنا ، يدل على أن ما كان في نفوسهم من كراهة العمرة في أشهر الحج ، لم يزل ولولا ذلك لما كبر عليهم ، ولا ضاقت صدورهم بالإحلال بعمرة في أشهر الحج ، كما أوضحه حديثه المذكور أيضاً . وعلى هذا الذي ذكروه ، فالذي استدبره من أمره ، ولو استقبله لم يسق الهدي : هو ملاحظة البيان المذكور ، وإن كان قد بين ذلك سابقاً لاحتياجه إلى تأكيد البيان في مثل ذلك الجمع ، وهو مودع ، ولا ينافي ذلك أنه أمر القارنين بالفسخ المذكور مع أن العمرة المقرونة مع الحج فيها البيان المذكور ، لأن العمرة المفردة عن الحج أبلغ في البيان ، لأنها ليست مع الحج ، فهي مستقلة عنه فلا يحتمل أنها إنما جازت تبعاً له . وقد