@ 183 @ أفضل من التقصير ، لقوله صلى الله عليه وسلم ( رحم الله المحلقين قالوا : يا رسول الله : والمقصرين . قال : رحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين ؟ فقال : والمقصرين ) في الرابعة ، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه . فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مراراً : على أن الحلق نسك لأنه لو لم يكن قربة لله تعالى لما استحق فاعله دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم له بالرحمة ، ودل تأخير الدعاء للمقصرين ، إلى الثالثة أو الرابعة : أن التقصير مفضول ، وأن الحلق أفضل منه ، والتقصير مع كونه مفضولاً : يجزىء بدلالة الكتاب ، والسنة والإجماع ، لأن الله تعالى يقول { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ } وقد روى الشيخان ، وغيرهما : التقصير عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم . .
فمن ذلك حديث جابر : أنه حج مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفرداً ، فقال لهم : ( أحلوا من إحرامكم بطواف البيت ، وبين الصفا والمروة ، وقصروا . وفي الصحيحين ، عن ابن عمر قال : ( حلق النَّبي صلى الله عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم ) ، وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين ، قال : قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص على المروة وحديث : ( رحم الله المحلقين ) ، ثم قال بعد ذلك : ( والمقصرين ) إلى غير ذلك من الأحاديث . .
وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزىء ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ، فقال الشافعي ، وأصحابه : يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعداً ، أو تقصيرها ، لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير ، لأن الثلاث جمع . .
وقال أبو حنيفة : يكفي حلق ربع الرأس ، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة . .
وقال مالك ، وأحمد وأصحابهما : يجب حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة ، بل يكفيه أن يأخذ من جميع جوانب الرأس ، وبعضهم يقول : يكفيه قدر الأنملة ، والمالكية يقولون : يقصره إلى القرب من أصول الشعر . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أظهر الأقوال عندي : أنه يلزم حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير ، لأن فيه مشقة كبيرة ، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة ، وأنه لا يكفي الربع ، ولا ثلاث شعرات خلافاً للحنفية والشافعية ، لأن الله تعالى يقول { مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ } ولم يقل :