@ 524 @ .
وقالت جماعات من أهل الأهواء : إن الحكم العقلي قسمان فقط ، وهما : الواجب عقلاً ، والمستحيل عقلاً ، قالوا : والجائز عقلاً لا وجود له أصلاً ، وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر إما أن يكون اللَّه عالمًا في أزله ، بأنه سيوجد فهو الواجب الوجود لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده كإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلاً لعلم اللَّه بأنه سيقع ، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلاً سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ، وذلك محال . وإمّا أن يكون اللَّه عالمًا في أزله ، بأنه لا يوجد كإيمان أبي لهب ، فهو مستحيل عقلاً ، إذ لو وجد لانقلب العلم جهلاً ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ، وهذا القول لا يخفى بطلانه ، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب ، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه ، فكلاهما جائز إلاّ أن اللَّه تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين ، فأوجده وشاء عدم الآخر ، فلم يوجده . .
والحاصل أن المستحيل لغير علم اللَّه السابق بعدم وجوده ؛ لأنه مستحيل استحالة ذاتية كالجمع بين النقيضين لا يقع التكليف به إجماعًا ، وكذلك المستحيل عادة ، كما لا يخفى . .
أمّا الجائز الذاتي فالتكليف به جائز ، وواقع إجماعًا كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلاً ، وإن استحال من جهة علم اللَّه بعدم وقوعه ، وهم يسمّون هذا الجائز الذاتي مستحيلاً عرضيًّا ، ونحن ننزّه صفة علم اللَّه عن أن نقول إن الاستحالة بسببها عرضية . .
فإذا علمت هذا ، فاعلم أن علماء الأصول وجميع أهل العلم مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي ، كإيمان أبي لهب ، وإن كان وقوعه مستحيلاً لعلم اللَّه بأنه لا يقع . .
أمّا المستحيل عقلاً لذاته كالجمع بين النقيضين ، والمستحيل عادة كمشي المقعد ، وطيران الإنسان بغير آلة ، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما ؛ كما قال تعالى : { لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } ، وقال تعالى : { فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بشىء فأْتوا منه ما استطعتم ) . .
وأمّا المستحيل العقلي : فقالت جماعة من أهل الأصول : يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلاً ، وبالمستحيل عادة . وقال بعضهم : لا يجوز عقلاً مع إجماعهم على أنه