@ 60 @ ، { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام ، أي : أبعد عن فهم الحقّ وإدراكه . .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : { بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } ، قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعلوا أضلّ من الأنعام ؟ .
قلت : لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها ، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها ، وتجتنب ما يضرّها ، وتهتدي لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربّهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إسارة الشيطان الذي هو عدوّهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتّقون العقاب الذي هو أشدّ المضار والمهالك ، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي ، اه منه . .
وإذا علمت ما دلّت عليه هذه الآية الكريمة ، فاعلم أن اللَّه بيّنه في غير الموضع ، ؛ كقوله تعالى في سورة ( الأعراف ) : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ } ، وقوله تعالى في ( البقرة ) : { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } . { وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً } . ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي جعل لخلقه الليل لباسًا ، والنوم سباتًا ، وجعل لهم النهار نشورًا ، أمّا جعله لهم اللّيل لباسًا ، فالظاهر أنه لما جعل الليل يغطّي جميع من في الأرض بظلامه صار لباسًا لهم ، يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه ، وربما انتفعوا بلباس اللّيل كهروب الأسير المسلم من الكفّار في ظلام الليل ، واستتاره به حتى ينجو منهم ، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل ؛ كما قال أبو الطيّب المتنبّي : يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه ، وربما انتفعوا بلباس اللّيل كهروب الأسير المسلم من الكفّار في ظلام الليل ، واستتاره به حتى ينجو منهم ، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل ؛ كما قال أبو الطيّب المتنبّي : % ( وكم لظلام الليل عندي من يد % تخبر أن المانوية تكذب ) % % ( وقاك ردى الأعداء تسري إليهم % وزارك فيه ذو الدلال المحجب ) % .
وأمّا جعله لهم النوم سباتًا ، فأكثر المفسّرين على أن المراد بالسبات : الراحة من تعب العمل بالنهار ؛ لأن النوم يقطع العمل النهاري ، فينقطع به التعب ، وتحصل الاستراحة ، كما هو معروف . .
وقال الجوهري في ( صحاحه ) : السبات النوم وأصله الراحة ، ومنه قوله تعالى