@ 225 @ .
وأمّا الدليل على أن شدّة الشبق عذر ، كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلّمنا عليه سابقًا في هذا المبحث ، أنه قال : كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤتَ غيري ، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان ، فرقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار ، الحديث . وفيه قال : ( فصم شهرين متتابعين ) ، قال : قلت : يا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم ؟ قال : ( فتصدّق ) . ومحل الشاهد منه أنه لما قال له : ( صم شهرين ) ، أخبره أن جماعه في زمن الظهار ، إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع ؛ لأنه ظاهر من امرأته خوفًا من أن تغلبه الشهوة ، فيجامع في النهار ، فلما ظاهر غلبته الشهوة فجامع في زمن الظهار ، فاقتنع صلى الله عليه وسلم بعذره ، وأباح له الانتقال إلى الإطعام ، وهذا ظاهر . .
وقال ابن قدامة في ( المغني ) : بعد أن ذكر أن الهرم والشبق كلاهما من الأسباب المؤدّية للعجز عن الصوم ، للدليل الذي ذكرنا آنفًا ، وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما . .
الفرع الثالث عشر : أظهر قولي أهل العلم عندي : أنه لا يجزىء في الإطعام أقلّ من إطعام ستّين مسكينًا وهو مذهب مالك ، والشافعي . والمشهور من مذهب أحمد خلافًا لأبي حنيفة القائل : بأنه لو أطعم مسكينًا واحدًا ستّين يومًا أجزأه ، وهو رواية عن أحمد ، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأوّلاً بالمدّ ، والمعنى : فإطعام ستّين مدًّا ، ولو دفعت لمسكين واحد في ستّين يومًا . .
وإنما قلنا : إن القول بعدم إجزاء أقل من الستّين هو الأظهر ؛ لأن قوله تعالى : { مِسْكِيناً } تمييز لعدد هو الستّون ، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرءان عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه ، وهو لا يصح ، ولا يخفى أن نفع ستين مسكينًا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستّين يومًا ، لفضل الجماعة ، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإطعام ، فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة من دعاء واحد ، وستّون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبًا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد ، كما لا يخفى . وعلى كل حال ، فقوله تعالى في محكم كتابه : { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } ، لا يخفى فيه أن قوله : { فَإِطْعَامُ سِتّينَ } مصدر مضاف إلى مفعوله ، فلفظ : { سِتّينَ } الذي أضيف إليه المصدر هو عين المفعول به الواقع عليه الإطعام ، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإطعام ، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى :