@ 131 @ .
وأما القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن ، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة . .
الوجه الرابع : هو أن القول الأول الصحيح ، واضح لا إشكال فيه ، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص بخلاف القول الآخر ، فهو مشكل لا يكاد يصدق ، إلا مع تخصيص ، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس ، وغيره ، ظاهرة البعد والسقوط لأنه على القول بأن الضمير في قوله قبل موته راجع إلى عيسى فلا إشكال ولا خفاء ، ولا حاجة إلى تأويل ، ولا إلى تخصيص . .
وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جداً بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب ، كالذي يسقط من عال إلى أسفل ، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل والذي يموت في نومه ونحو ذلك ، فلا يصدق هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع ، من أهل الكتاب ، إلا إذا ادعى إخراجهم منه بمخصص . .
ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة . .
وما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال إن رأسه يتكلم ، بالإيمان بعيسى ، وأن الذي يهوي من عال إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي ، لا يخفى بعده وسقوطه ، وأنه لا دليل ألبتة عليه كما ترى . .
وبهذا كله تعلم ، أن الضمير في قوله { قَبْلَ مَوْتِهِ } ، راجع إلى عيسى ، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ } كما ذكرنا . .
فإن قيل : إن كثيراً ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي ، ويعتقدون مثل ما يعتقده ، ضلال اليهود والنصارى ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : { إِذْ قَالَ اللَّهُ ياعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ } وقوله { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } . .
فالجواب أنه لا دلالة في إحدى الآيتين ألبتة على أن عيسى قد توفي فعلاً .