@ 154 @ .
تنبيه .
وإذا سمع المؤذن وهو في صلاة فلا يقول مثل ما يقول المؤذن ، وإذا كان في قراءة أو دعاء أو ذكر خارج الصلاة ، فإنه يقطعه ويقول مثل قول المؤذن . .
قاله ابن تيمية في الفتاوى وابن قدامة في المغني ، والنووي في المجموع . .
تنبيه .
ولا يجوز النداء للصلاة جمعة أو غيرها من الصلوات الخمس إلا بهذه الألفاظ المتقدم ذكرها ، وما عداها مما أدخله الناس لا أصل له ، كالتسبيح قبل الفجر ، والتسبيح والتحميد والتكبير يوم الجمعة بما يسمى ( بالتطليع ) ونحوه فكل هذا لا نص عليه ولا أصل له . .
وقد نص في فتح الباري رداً على ابن المنير ، حيث جعل بعض الهيئات أو الأقوال من مكملات الإعلام ، فقال ابن حجر : وأغرب ابن المنير ولو كان ما قاله على إطلاقه لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ، ومن الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم من جملة الأذان ، وليس كذلك لا لغة ولا شرعاً . .
وفي الحاشية للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تعليق على كلام ابن المنير بقوله هذا فيه نظر . والصواب أن ما أحدثه الناس من رفع الصوت بالتسبيح قبل الأذان والصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم بعده ، كما أشار إليه الشارع بدعة يجب على ولاة الأمر إنكارها حتى لا يدخل في الأذان ما ليس منه ، وفيما شرعه الله غنية وكفاية عن المحدثات ، فتنبه . .
وقال في الفتح أيضاً ما نصه : وما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض ، واتباع السلف الصالح أولى ، وقال ابن الحاج في المدخل جلد 2 ص 452 ، وينهي المؤذنين عما أحدثوه من التسبيح بالليل ، وإن كان ذكر الله تعالى حسناً وعلناً لكن في المواضع التي تركها الشارع صلوات الله وسلامه عليه ، ولم يعين فيها شيئاً معلوماً . .
قال أصحابنا : فإذا احتاج إلى أكثر من مؤذنين اتخذ ثلاثة ، وأربعة فأكثر بحسب الحاجة . .
وقد اتخذ عثمان رضي الله عنه أربعة للحاجة عند كثرة الناس . .
قال أصحابنا : وإذا ترتب للأذان اثنان فصاعداً ، فالمستحب ألا يؤذنوا دفعة واحدة ، بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه ، فإن تنازعوا في الابتداء أقرع بينهم ، وإن ضاق الوقت ، فإن كان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطاره ، وإن كان ضيقاً وقفوا معاً وأذنوا ، وهذا إذا لم يؤد اختلاف الأصوات إلى تشويش ، فإن أدى إلى ذلك لم يؤذن إلا واحد ا ه . فهذا نص النووي على قول أصحابه أي الشافعية في المسألة ساقه في شرح مسلم ، وقال في المجموع شرح المهذب على نص المتن إذ قال : المآمن : والمستحب أن يكون المؤذن للجماعة اثنين . وذكر حديث بلال وابن أم مكتوم ، فإن احتاج إلى الزيادة جعلهم أربعة ، لأنه كان لعثمان أربعة ، والمستحب أن يؤذن واحد بعد واحد ، لأن ذلك أبلغ في الإعلام . .
قال النووي في الشرح : قال أبو علي الطبري : تجوز الزيادة إلى أربعة ، ثم ناقش المسألة مع من خالفه في العدد : ثم قال : العبرة بالمصلحة ، فكما زاد عثمان إلى أربعة للمصلحة جاز لغيره الزيادة . .
وذكر عن صاحب الحاوي إلى ثمانية ، ثم قال : فرع . وساق فيه ما نصه : .
فإن كان للمسجد مؤذنان أذن واحد بعد واحد ، كما كان بلال وابن أم مكتوم ، فإن تنازعوا في الابتداء أقرع بينهم ، فإن ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره كل واحد في قطر ليسمع أهل تلك الناحية ، وإن كان صغيراً أذنوا معاً وإذا لم يؤد إلى تهويش . .
قال صاحب الحاوي وغيره : ويقفون جميعاً عليه كلمة كلمة فإن أدى إلى تهويش أذن واحد . إلخ . .
وفي صحيح البخاري ، باب من قال : ليؤذن في السفر مؤذن واحد ، وساق بسنده عن مالك بن الحويرث ( أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي ، فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رحيماً ورفيقاً ، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا . قال : ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا إذا حضرت الصلاة ، فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ) . .
قال في الفتح أثناء الشرح : وعلى هذا فلا مفهوم لقوله : مؤذن واحد في السفر : لأن الحضر أيضاً لا يؤذن فيه إلا واحد ، ولو احتيج إلى تعددهم لتباعد أقطار البلد أذن كل واحد في جهة ولا يؤذنون جميعاً . .
وقد قيل : إن أول من أحدث التأذين جميعاً بنو أمية . .
وقال الشافعي في الأم : وأحب أن يؤذن مؤذن بعد مؤذن ، ولا يؤذنون جميعاً ، وإن كان مسجد كبير فلا بأس أن يؤذن في كل جهة منه ، مؤذن ، يسمع من يليه في وقت واحد ا ه . .
وهذا الذي حكاه الشارح عن الشافعي موجود في الأم ، ولكن بلفظ فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد ا ه . .
وهذا القدر كاف لبيان قول الشافعي وأصحابه ، من أن التعدد جائز بحسب المصلحة . .
وعند مالك جاء في الموطأ حديث بلال وابن أم مكتوم أيضاً . .
وقال الباجي في شرحه : ويدل هذا الحديث على جواز اتخاذ مؤذنين في مسجد يؤذنان ، لصلاة واحدة . .
وروى علي بن زياد عن مالك : لا بأس أن يؤذن للقوم في السفر والحرس والمركب ثلاثة مؤذنين وأربعة ، ولا بأس أن يتخذ في المسجد أربعة مؤذنين وخمسة . .
قال ابن حبيب : ولا بأس فيما اتسع وقته من الصلوات ، كالصبح والظهر والعشاء ، أن يؤذن خمسة إلى عشرة واحد بعد واحد ، وفي العصر من ثلاثة إلى خمسة ، ولا يؤذن في المغرب إلا واحد . .
فهذا نص مالك والمالكية في جواز تعدد الأذان في المسجد الواحد ، يؤذنون واحداً بعد واحد . .
وفي متن خليل ما نصه : وتعدده وترتيبهم إلا المغرب ، وجمعهم كل على أذان . .
وذكر الشارح الخرشي من خمسة إلى عشرة في الصبح والظهر والعشاء ، وفي العصر من ثلاثة إلى خمسة ، وفي المغرب واحد أو جماعة . إلخ . .
وعند الحنابلة قال في المغني : ( فصل ) ولا يستحب الزيادة على مؤذنين لحديث بلال وابن أم مكتوم أيضاً ، ثم قال : إلا أن تدعو الحاجة إلى الزيادة عليهما فيجوز . .
فقد روي عن عثمان رضي الله عنه ، أنه كان له أربعة مؤذنين . وإن دعت الحاجة إلى أكثر منهم كان مشروعاً ، وإذا كان أكثر من واحد وكان الواحد يسمع الناس ، فالمستعجب أن يؤذن واحد بعد واحد ، لأن مؤذني النَّبي صلى الله عليه وسلم كان أحدهما يؤذن بعد الآخر ، وإن كان الإعلام لا يحصل بواحد أذنوا على حسب ما يحتاج إليه ، إما أن يؤذن كل واحد في منارة أو ناحية أو دفعة واحدة في موضع واحد . .
قال أحمد : إن أذن عدة في منارة فلا بأس ، وإن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فوات أول الوقت ، أذنوا جميعاً دفعة واحدة . .
وعند الأحناف : جاء في فتح القدير شرح الهداية في سياق إجابة المؤذن وحكاية الأذان ما نصه : .
إذا كان في المسجد أكثر من مؤذن أذنوا واحداً بعد واحد ، فالحرمة للأول إلى أن قال : فإذا فرض أن سمعوه من غير مسجده تحقق في حقه السبب ، فيصير كتعددهم في المسجد الواحد ، فإن سمعهم معاً أجاب معتبراً كون جوابه لمؤذن مسجده ، هذه نصوص الأئمة رحمهم الله في جواز تعدد المؤذنين والأذان في المسجد الواحد للصلاة الواحدة متفرقين أو مجتمعين . .
وقال ابن حزم : ولا يجوز أن يؤذن إثنان فصاعداً معاً ، فإن كان ذلك فالمؤذن هو المبتدىء إلى أن قال : .
وجائز أن يؤذن جماعة واحداً بعد واحد للمغرب وغيرها سواء في كل ذلك ، فلم يمنع تعدد الأذان من عدة مؤذنين في المسجد الواحد أحد من سلف الأمة . الحكمة في الأذان .
أما الحكمة في الأذان فإن أعظمها أن من خصائص هذه الأمة كما تقدم في أصل مشروعيته ، وقد اشتمل على أصول عقائد التوحيد تعلن على الملأ ، تملأ الأسماع حتى صار شعار المسلمين . .
ونقل عن القاضي عياض رحمه الله قوله : .
اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان مشتمل على نوعه من العقليات والسمعيات ، فأوله : إثبات الذات وما تستحقه من الكمالات والتنزيه عن أضدادها وذلك بقوله ( الله أكبر ) وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه . .
ثم يصرح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى ، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ، ثم يصرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية . وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع ، وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد كلمات العقائد العقليات ، فدعا إلى الصلاة وجعلها عقب إثبات النبوة ، لأن معرفة وجوبها من جهة النَّبي صلى الله عليه وسلم ، لا من جهة العقل . .
ثم دعا إلى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم ، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء وهي آخر تراجم عقائد الإسلام . إلخ . .
ومراده بالعقليات في العقائد أي إثبات وجود الله وأنه واحد لا شريك له ، وهو المعروف عندهم بقانون الإلزام ، الذي يقال فيه إن الموجود إما جائز الوجود أو واجبه ، فجائز الوجود جائز العدم قبل وجوده واستوى الوجود والبقاء في العدم قبل أن يوجد ، فترجح وجوده على بقائه في العدم . وهذا الترجيح لا بد له من مرجح وهو الله تعالى . وواجب الوجود لم يحتج إلى موجد . ولم يجز في صفة عدم وإلا لاحتاج موجده إلى موجد ، ومرجح وجوده على موجود . .
وهكذا فاقتضى الإلزام العقلي وجوب وجود موجد واجب الوجود ، وهذا من حيث الوجود فقط ، وقد أدخل العقل في بعض الصفات التي يستلزمها الوجود ، والحق أن العقل لا دخل له في العقائد من حيث الإثبات أو النفي ، لأنها سمعية ولا تؤخذ إلا عن الشارع الحكيم ، لأن العقل يقصر عن ذلك ، ومرادنا التنبيه على إدخال العقليات هنا فقط . .
وقد سقنا كلام القاضي عياض هذا في حكمة الأذان لوجاهته ، ولتعلم من خصوصية الأذان في هذه الأمة وغيرها به أنه ليس بصلصلة ناقوس أجوف ، ولا أصوات بوق أهوج ، ولا دقات طبل أرعن ، كما هو الحال عند الآخرين ، بل هو كلمات ونداء يوقظ القلوب من سباتها ، وتفيق النفوس من غفلتها ، وتكف الأذهان عن تشاغلها ، وتهيىء المسلم إلى هذه الفريضة العظمى ، ثانية أركان الإسلام وعموده . .
فإذا ما سمع الله أكبر الله أكبر مرتين ، عظم الله في نفسه ، واستحضر جلاله وقدسه واستصغر كل شيء بعد الله ، فلا يشغله شيء عن ذكر الله ، لأن الله أكبر من كل شيء ، فلا يشغل نفسه عنه أي شيء . .
فإذا سمع أشهد أن لا إلاه إلا الله ، علم أن من حقه عليه طاعة الله وعبادته . .
وإذا سمع : أشهد أن محمداً رسول الله ، علم أنه يلزمه استجابة داعي الله . .
وإذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح ، علم أن فلاحه في صلاته في وقتها لا فيما يشغله عنها . .
وهكذا فكان ممشاه إليها تخشعاً ، وخطاه إلى المسجد تطوعاً مع حضور القلب واستجماع الشعور . .
ومن هنا أيضاً ندرك السر في طلب السامع محاكاة الأذان تبعاً للمؤذن ليرتبط معه في إعلانه وعقيدته وشعوره ، كما جاء في أثر عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلاً قال : يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قل مثل ما يقولون ، فإذا انتهيت فاسأل تعطه ) . رواه أبو داود . .
وقد قدمنا هذا الموضوع هنا ، وإن كان ليس من منهج الكتاب ، ولكن لموجب اقتضاء ، ولمناسبة مبحث الأذان . .
أما الموجب فهو أني سمعت منذ أيام أثناء الكتابة في مباحث الأذان ، وسمعت من إذاعة لبلد عربي مسلم أن كاتباً استنكر الأذان في الصبح خاصة ، وفي بقية الأوقات بواسطة المكبر للصوت ، وقال إنه يرهق الأعصاب وخاصة عند أداء الناس لأعمالهم أو عند الفراغ منها والعودة لراحتهم ، ولا سيما في الفجر عند نومهم ، فكان وقعه أليماً أن يصدر ذلك وينشر ، ولكن أجاب عليه أحد خطباء الجمع في خطبة وافية ، وأفهمه أن الإرهاق والاضطراب إنما هو من عدم الاستجابة لهذا النداء ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان يبول في أذن النائم ، وأنه يعقد عليه ثلاث عقد . فإذا ما استيقظ وذكر الله انحلت عقدة ، وإذا توضأ انحلت عقدة أخرى ، فإذا صلى انحلت العقدة الثالثة ، وأصبح نشيطاً إلى غير ذلك من الرد الكافي . .
ولا شك أن مثل تلك الكتابة لا تصدر إلا ممَّن لا يعي معنى الأذان . .
هذا ما استوجب عرض الحكمة من الأذان ، وإن كانت مجانبة لمنهج الكتاب ، ولكن بمناسبة مباحث الأذان يغتفر ذلك ، وبالله التوفيق . محاكاة المؤذن .
تعتبر محاكاة المؤذن ربطاً لسامع الأذان ، وتنبيهاً له لموضوعه ، جاء الحديث : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ) رواه البخاري . .
وفي رواية عنده عن معاوية رضي الله عنه أنه قال أي معاوية : وهو على المنبر مثل قول المؤذن إلى قوله : أشهد أن محمداً رسول الله ، ولما قال المؤذن ( حي على الصلاة ) قال معاوية : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، وكذلك ( حي على الفلاح ) ، ثم قال : ( هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم ) . .
وعند النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه : ( كنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فقام بلال ينادي ، فلما سكت قال صلى الله عليه وسلم : ( من قال مثل هذا يقيناً دخل الجنة ) . .
كيفية المحاكاة ، في الحديث الأول فقولوا مثلما يقول ، وهكذا يشعر بتتبعه جملة جملة ، وفي الحديث الثاني : فلما سكت قال صلى الله عليه وسلم : ( من قال مثل هذا ) وبعد السكوت تنطبق المثلية بمجيء الأذان بعد فراغ المؤذن ، فوقع الاحتمال . .
وقد جاء عند مسلم وأبي داود ما يؤيد الأول ، فعن عمر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال المؤذن : الله أكبر الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر ، ثم قال أشهد ألا إلاه إلا الله ، قال : أشهد ألا إلاه إلا الله ، ثم قال : أشهد أن محمداً رسول الله ، قال أشهد أن محمداً رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، ثم قال : الله أكبر الله أكبر . قال : الله أكبر الله أكبر . ثم قال : لا إلاه إلا الله من قلبه دخل الجنة ) . .
فهذا نص صريح في أن محاكي المؤذن يتابعه جملة جملة إلى آخره ما عدا الحيعلتين . فإنه يأتي بدلاً منهما بالحوقلة . وقالوا : إن الحيعلتين نداء للإقبال على المنادي . وهذا يصدق في حق المؤذن . أما الذي يحكي الأذان فلم يرفع صوته ولا يصدق عليه أن ينادي غيره فلا أجر له في نطقه بهما . فيأتي بلا حول ولا قوة إلا بالله لأمرين : الأول أنه ذكر يثاب عليه سراً وعلانية . والثاني : استشعار بأنه لا حول له عن معصية ولا قوة له على طاعة إلا بالله العلي العظيم ، وفيه استعانة بالله وحوله وقوته على إجابة هذا النداء . وأداء الصلاة مع الجماعة . .
وقد أخذ الجمهور بحديث عمر عند مسلم بمحاكاة المؤذن في جميع الأذان على النحو المقدم . وعند مالك يكتفي إلى الحوقلة لحديث معاوية . ونص كتب المالكية أنه هو المشهور في المذهب . وغير المشهور أي مقابل المشهور طلب حكاية الأذان جميعه ، ذكره الزمخشري على خليل . بعض الزيادات على ألفاظ الأذان .
تقدم ذكر الحوقلة عند الحيعلة في بعض روايات مسلم وغيره ، عند الشهادتين يقول زيادة : ( وأنا أشهد ألا إلاه إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً ، وبمحمد رسولاً . وبالإسلام ديناً ، غفرت له ذنوبه ) . .
الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الله له الوسيلة . .
وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه : أنه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ، ثم صلوا علي فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه وسلم بها عشراً ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنَّة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) وهذا عام للأذان في الصلوات الخمس إلا أنه جاء في المغرب والفجر بعض الزيادات ، ففي المغرب حكى النووي : أنه له أن يقول بعد النداء : ( اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك اغفر لي ) ، ويدعو بين الأذان ، والإقامة . ذكره صاحب المهذب وعزاه لحديث أم سلمة ، وأقره النووي في المجموع . .
أما في سماع أذان الفجر فيقول عند الصلاة خير من النوم : صدقت وبررت . حكاه النووي في المجموع . .
وعن الرافعي يقول : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الصلاة خير من النوم . .
وإذا سمع المؤذن وهو في الصلاة ، نص العلماء على أنه لا يحكيه ، لأنه في الصلاة لشغلا ، وإذا سمعه وهو في المسجد جالس نص أحمد أنه لا يقوم حالاً للصلاة حتى يفرغ المؤذن أو يقرب . .
وإذا دخل المسجد وهو يؤذن استحب له انتظاره ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعاً بين الفضيلتين ، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة ، فلا بأس ذكره صاحب المغني عن أحمد رحمه الله . إجابة أَكثر من مؤذن .
وللعلماء مبحث فيما لو سمع أكثر من مؤذن ، قال النووي : لم أر فيه شيئاً لأصحابنا ، وفيه خلاف للسلف ، وقال حكاه القاضي عياض في شرح مسلم ، والمسألة محتملة ، ثم قال : والمختار أن يقال : المتابعة سنة متأكدة بكرة تركها لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر ، وهذا يختص بالأول لأن الأمر لا يقتضي التكرار . .
وذكره صاحب الفتح وقال : وقال ابن عبد السلام : يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب ا ه . .
وعند الأحناف الحق للأول . .
وأصل هذه المسألة في مبحث الأصول ، هل الأمر المطلق يقتضي تكرار المأمور به أم لا ؟ .
وقد بحث هذا الموضوع فضيلة شيخنا رحمة الله تعالى عليه في مذكرة الأصول وحاصله : إن الأمر إما مقيد بما يقتضي التكرار أو مطلق عنه : ثم قال : والحق أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بل يخرج من عهدته بمرة ، ثم فصل رحمة الله تعالى عليه القول فيما اتفق عليه وما اختلف فيه ، ومنه تعدد حكاية المؤذن وبحثها بأوسع في الأضواء عن تعدد الفدية في الحج ، والواقع أن سبب الخلاف فيما اختلف فيه إنما هو من باب تحقيق المناط هل السبب المذكور مما يقتضي التعدد أم لا ؟ .
والأسباب في هذا الباب ثلاثة أقسام ، قسم يقتضي التكرار قطعاً ، وقسم لا يقتضيه قطعاً ، وقسم هو محل الخلاف . .
فمن الأسباب المقتضية التكرار قطعاً : ما لو ولد له توأمان فإن عليه عقيقتين ، ومنها : لو ضرب حاملاً فأجهضت جنينين لوجبت عليه غرتان . .
ومن الأسباب التي لا تقتضي التكرار ما لو أحدث عدة أحداث من نواقض الوضوء فأراد أن يتوضأ فإنه لا يكرر الوضوء بعدد الأحداث ، ويكفي وضوء واحد ، وكذلك موجبات الغسيل لو تعدت قبل أن يغتسل فإنه يكفيه غسل واحد عن الجميع . .
ومما اختلف فيه ما كان دائراً بين هذا وذاك ، كما لو ظاهر من عدة زوجات هل عليه كفارة واحدة نظراً لما أوقع من ظهار أم عليه عدة كفارات نظراً لعدد ظاهر منهن ؟ وكذلك إذا ولغ عدة كلاب في إناء هل يعفر الإناء مرة واحدة ، أم يتعدد التعفير لتعدد الولوغ من عدة كلاب ؟ .
ومن ذلك ما قالوه في إجابة المؤذن إذا تعدد المؤذنون تعددت الأسباب ، فهل تتعدد الإجابة أم يكتفي بإجابة واحدة . تقدم قول النووي أنه لم يجد شيئاً لأصحابه ، وكلام العز بن عبد السلام بتعدد الإجابة وبالنظر الأصولي ، نجد تعدد المؤذنين ليس كتعدد نواقض الوضوء لأن المتوضىء إذا أحدث ارتفع وضوءه وليس عليه أن يتوضأ لهذا الحدث ، فإذا أحدث مرة أخرى لم يقع هذا الحدث الثاني على طهر ولم يجد حدثاً آخر . .
وهكذا مهما تعددت الأحداث ، فإذا أراد الصلاة كان عليه أن يرفع حدثه فيكفي فيه وضوء واحد ، ولكن مستمع المؤذن حينما سمع المؤذن الأول فهو مطالب بمحاكاته ، فإن فرغ منه وسمع مؤذناً آخر ، فإن من حق هذا المؤذن الآخر أن يحاكيه ، ولا علاقة لأذان هذا بذاك ، فهو من باب تجدد السبب وتعدده أو هو إليه أقرب ، كما لو سمع أذان الظهر فأجابه ثم سمع أذان العصر فلا يكفي عنه إجابة أذان الظهر ، فإن قيل : قد اختلف الوقت وجاء أذان جديد ، فيقال قد اختلف المؤذن فجاء أذان جديد . .
وأقرب ما يكون لهذه المسألة مسألة الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره في حديث قوله صلى الله عليه وسلم ( آمين آمين ) ثلاث مرات وهو يصعد المنبر ، ولما سئل عن ذلك قال : ( أتاني جبريل فقال يا محمد من ذكرت عنده ولم يصل عليك باعده الله في النار فقل : آمين فقلت آمين ) ، وذكر بقية المسائل فإن بهذا يتعين تكرار الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم عند كل ما يسمع ذكره صلوات الله وسلامه عليه ، وهنا عليه تكرار محاكاة المؤذن ، كما رجحه ابن عبد السلام والله تعالى أعلم . .
تنبيه .
وإذا سمع المؤذن وهو في صلاة فلا يقول مثل ما يقول المؤذن ، وإذا كان في قراءة أو دعاء أو ذكر خارج الصلاة ، فإنه يقطعه ويقول مثل قول المؤذن . .
قاله ابن تيمية في الفتاوى وابن قدامة في المغني ، والنووي في المجموع . .
تنبيه .
ولا يجوز النداء للصلاة جمعة أو غيرها من الصلوات الخمس إلا بهذه الألفاظ المتقدم ذكرها ، وما عداها مما أدخله الناس لا أصل له ، كالتسبيح قبل الفجر ، والتسبيح والتحميد والتكبير يوم الجمعة بما يسمى ( بالتطليع ) ونحوه فكل هذا لا نص عليه ولا أصل له . .
وقد نص في فتح الباري رداً على ابن المنير ، حيث جعل بعض الهيئات أو الأقوال من مكملات الإعلام ، فقال ابن حجر : وأغرب ابن المنير ولو كان ما قاله على إطلاقه لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ، ومن الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم من جملة الأذان ، وليس كذلك لا لغة ولا شرعاً . .
وفي الحاشية للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تعليق على كلام ابن المنير بقوله هذا فيه نظر . والصواب أن ما أحدثه الناس من رفع الصوت بالتسبيح قبل الأذان والصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم بعده ، كما أشار إليه الشارع بدعة يجب على ولاة الأمر إنكارها حتى لا يدخل في الأذان ما ليس منه ، وفيما شرعه الله غنية وكفاية عن المحدثات ، فتنبه . .
وقال في الفتح أيضاً ما نصه : وما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض ، واتباع السلف الصالح أولى ، وقال ابن الحاج في المدخل جلد 2 ص 452 ، وينهي المؤذنين عما أحدثوه من التسبيح بالليل ، وإن كان ذكر الله تعالى حسناً وعلناً لكن في المواضع التي تركها الشارع صلوات الله وسلامه عليه ، ولم يعين فيها شيئاً معلوماً . .
وقال بعده بقليل : وكذلك ينبغي أَن ينهاهم عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند طلوع الفجر ، وإن كانت الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم من أكبر العبادات