@ 448 @ المسألة الثالثة اعلم أن ما يقوله بعض أهل الأصول من المالكية والشافعية وغيرهم : من جواز النسخ بلا بدل ، وعزاه غير واحد للجمهور ، وعليه درج في المراقي بقوله : % ( وينسخ الخف بما له ثقل % وقد يجيء عاريا من البدل ) % .
أنه باطل بلا شك . والعجب ممن قال به العلماء الأجلاء مع كثرتهم ، مع أنه مخالف مخالفة صريحة لقوله تعالى : { مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } فلا كلام البتة لأحد بعد كلام الله تعالى : { أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً } ، { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً } ، { ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ } فقد ربط جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين النسخ ، وبين الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء . ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية يتواردان على الربط . فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر . .
وما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع في القرآن بلا بدل وذلك في قوله تعالى : { ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } فإنه نسخ بقوله : { أَءَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ } ، ولا بدل لهذا المنسوخ . .
فالجواب أن له بدلاً ، وهو أن وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة لما نسخ بقي استحباب الصدقة وندبها ، بدلاً من الوجوب المنسوخ كما هو ظاهر . .
المسألة الرابعة اعلم أنه يجوز نسخ الأخف بالأثقل ، والأثقل بالأخف . فمثال نسخ الأخف بالأثقل : نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المنصوص عليه في قوله تعالى : { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } بأثقل منه ، وهو تعيين إيجاب الصوم في قوله : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } . ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ } ، بأثقل منه وهو الجلد والرجم المنصوص على الأول منهما في قوله : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } ، وعلى الثاني منهما بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ثابتاً ، وهي قوله : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) ومثال نسخ الأثقل بالأخف : نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله : { مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ } ، بأخف منه وهو مصابرة المسلم اثنين منهم المنصوص عليه في قوله : { اأانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }