أجورها فدل على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم وكذلك قول النبي A لسعد بن أبي وقاص لما قال له لم تعط فلانا وهو مؤمن فقال النبي A أو مسلم يشير إلى أنه لم يتحقق فإنما هو في مقام الإسلام الظاهر ولا ريب أنه متي ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضا لكن اسم الإيمان ينفي عمن ترك شيئا من واجباته كما في قوله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنا ناقص الإيمان أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم على قولين وهما روايتان عن أحمد وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية ولايعرف في شيء من السنة الصحيحة نفى الإسلام عمن ترك شيئا من واجباته كما ينفي الإيمان عمن ترك شيئا من واجباته وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات وإطلاق النفاق أيضا وقد اختلف العلماء هل يسمى مرتكب الكبائر كافرا صغيرا أو منافقا النفاق الأصغر ولا أعلم أن أحدا منهم أجاز إطلاق نفى اسم الإسلام عنه إلا أنه روي عن ابن مسعود Bه أنه قال ما تارك الزكاة بمسلم ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجا عن الإسلام وكذلك روي عن عمر فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم ولهذا أراد أن يضرب عليهم الجزية بقوله لم يدخلوا في الإسلام بعد فهم مستمرون على كتابيتهم وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عنبسة وخرج النسائي من حديث عقبة بن مالك أن النبي A بعث سرية فغارت على قوم فقال رجل منهم إنى مسلم فقتله رجل من السرية فنمى الحديث إلى رسول الله A فقال فيه قولا شديدا فقال الرجل إنما قالها تعوذا من القتل فقال النبي A إن الله أبي على أن أقتل مؤمنا ثلاث مرات فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة لم يصر من قال أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة قالت رب إنى ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين النمل وأخبر عن يوسف عليه السلام أنه دعا بأن يموت على الإسلام وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال قال لي رسول الله A يا عدي أسلم تسلم قلت وما الإسلام قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد إنى رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى إن الدين عند الله الإسلام آل عمران بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين وإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو الصحيح وهو أصح الروايتين عن أبي عبدالله أحمد بن حنبل فإن إيمان الصديقين الذين يتجلى الغيب لقلوبهم يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لا يبلغ هذه الدرجة بحيث لوشكك لدخله الشك ولهذا جعل النبي A مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين ومن هنا قال بعضهم ما سبقكم أبو بكر Bه بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره وسئل ابن عمر Bهما هل كانت الصحابة Bهم يضحكون فقال نعم وإن الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال فأين هذا ممن الإيمان في قلبه ما يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار فهؤلاء يصح أن يقال لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم وهذه المسائل أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدا فإن الله D علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية وأدخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفار واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم ثم حدث بعدهم خلاف بالمنزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان وقد صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أسلم الطوسي وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف وقد ذكرنا هنا نكتة جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل والاختلاف فيها وفيه إن شاء الله كفاية