وسلم إذ ذكر الفتنة فقال إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك أصابعه فقمت إليه فقلت له كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك فقال الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر خاصة نفسك ودع عنك أمر العامة وكذلك روى عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم المائدة قالوا لم يأت تأويلها بعد إنما تأويلها في آخر الزمان وعن ابن مسعود قال إذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر الإنسان حينئذ نفسه فهو حينئذ تأويل هذه الآية وعن ابن عمر قال هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم وقال جبير بن نفير عن جماعة من الصحابة قالوا إذا رأيت شحا مطاعا وهوي متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن مكحول قال لم يأت تأويلها بعد إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك حينئذ بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال يا لها من ثقة ما أوثقها ومن سعة ما أوسعها وهذا كله قد يحمل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف أو خاف الضرر سقط عنه وكلام ابن عمر يدل على أن من علم أنه لا يقبل منه لم يجب عليه كما حكي رواية عن أحمد وكذا قال الأوزاعي اأمر من تري أن يقبل منك وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الذي ينكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان ويدل على أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان وفعلها كان أفضل ممن تركها عجزا ويدل على ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق النساء أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي يشير إلى أيام الحيض مع أنها ممنوعة حينئذ من الصلاة وقد جعل ذلك نقصا في دينها فدل على أن من قدر على واجب وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه وإن كان معذورا في تركه والله أعلم ماهو المنكر المراد بالحديث قوله صلى الله وآله وسلم من رأى منكم منكرا يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية فإن كان مستورا فلم يره ولكن علم به فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يتعرض له وأنه لا يفتش عما استراب به وعنه رواية أخرى أنه يكشف المغطي إذا تحققه ولو سمع صوت غناء محرم أو آلات الملاهي وعلم المكان التي هي فيه فإنه ينكرها لأنه قد تحقق المنكر وعلم موضعه فهو كما رآه ونص عليه أحمد وقال أما إذا لم يعلم مكانه فلا شيء وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر فقد أنكره مثل سفيان الثوري وغيره وهو داخل في التجسس المنهي عنه وقد قيل لابن مسعود إن فلانا تقطر لحيته خمرا فقال نهانا الله عن التجسس وقال القاضي أبو يعلي في كتاب الأحكام السلطانية إن كان في المنكر الذي غلب على ظنه الاستسرار به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمة يفوت استدراكها كالزنا والقتل فله التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا